فهرس الكتاب

الصفحة 2704 من 3155

معاشر المؤمنين: كثيرٌ من الناس حينما تحل عليه الحاجة، أو يتوجه عليه حلول الدَّين فإنه يتوجه إلى مكانٍ يتورقون الناس فيه، ومسألة التورق تعرفونها جيدًا، يسميها بعض العامة بالوعدة، أو يسمونها بالدِّينة، وهي مسألة التورق في حقيقتها، ولها صور وأشكال شتى، فينبغي لمن أراد أن يتعامل بهذا النوع منها أن ينتبه لكي لا يقع في الحرام بحيلةٍ من محللٍ دخل طرفًا في هذه العملية، أو بحيلةٍ من صاحب المحل الذي باعه بضاعةً معينة، ثم اشتراها منه في نفس الوقت في نفس الساعة ودفع له قيمةً أقل منها، ألا وإن ذلك هو ربا العينة الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا تبايعتم بالعينة، وتبعتم أذناب البقر؛ سلط الله عليكم ذلًا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) فينبغي لمن توجه للتعامل بهذا الأمر -لحاجةٍ ماسةٍ به- أن يتعامل به في حدودٍ مشروعة.

ولعل أنقى الصور وأوضحها: أن تشتري بضاعةً إلى أجل، ثم بعد ذلك تحوزها إلى رحلك، ثم تبيعها إلى من شئت من الناس، بسعرها أو بأقل منه أو أكثر، بشرط أن لا يكون هناك حيلة من صاحب المال أن يرسل أحدًا يشتريها بقيمةٍ أقل منها، أو أن يكون هناك اتفاقٌ مسبق أن تشترى منك هذه البضاعة بدخول طرفٍ ثالث في هذه العملية.

ولعلَّ من صورها التي يجوز للناس أن يتعاملوا بها: إذا كان الإنسان محتاجًا إلى سيارةٍ معينة، أو محتاجًا إلى مالٍ معين أن يتوجه إلى أحدٍ من الناس، فيقول له: إني بحاجةٍ إلى سيارة، أو بحاجةٍ إلى سلعة، أو بحاجةٍ إلى كذا، فتوجه معي إلى مكانها فاشترها بسعرها، فإذا اشتراها وحازها وامتلكها وكتبت باسمه قال: أنا أشتريها منك بعد ذلك مؤجلةً ولو ازداد شيئًا من المال مقابل نسبة الأجل، فلا حرج في ذلك إن شاء الله.

أما ما يتعامل به كثيرٌ من الناس، ويتحايلون على الله، والله جل وعلا هو الذي يعلم السرائر والظواهر، فكيف يسلمون من هذا الشر، نسأل الله جل وعلا أن لا يحوجنا إلى ذلك، اللهم لا تحوجنا إلى تورقٍ، أو إلى دينٍ، أو إلى ربًا.

ولا حاجة لمسلمٍ في الربا؛ لأنه يعلم أن ما عند الله أحب إليه من ذلك، وأن قَدَرَ الله مهما عظم أرحم به من أن يقع في الربا، وأن فرج الله مهما تأخر فإنه أقرب إليه من أن يتعامل بالحرام.

نسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع إلى ما يحبه ويرضاه.

سمعنا في هذه الخطبة قول الله جل وعلا في آيات الربا، من آخر سورة البقرة، ولقد جاءت آيةٌ في سورة آل عمران تنهى المؤمنين أن يتعاملوا بالربا، وهو الربا المضاعف: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران:130] وتوعد من فعل هذا بالعذاب الشديد، نسأل الله جل وعلا أن ينجينا من الربا، وألا يجعل له سبيلًا إلينا في مآكلنا ومشاربنا ومعاملاتنا.

عباد الله: من يتقي الله يجعل له مخرجًا، ما ضاقت على العبد ضائقة فلن يجد فرجها إلا فيما أحل الله له، وإن كثيرًا من الناس قد يتعامل بطريقةٍ نزيهة حتى يأتيه من يهون عليه أو يسهل له أمر الربا فيقترض بالفائدة، وبعد ذلك يعود هذا المال القليل نسبةً إلى البوار والهلاك والخسارة في ماله الكثير كله، وبعد ذلك يتوجه الدَّبور عليه في كل أمرٍ من أموره، ولا غرابة فإن الحرام ممحقٌ للبركة، نسأل الله جل وعلا أن ينجينا من الربا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين.

اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بشبابنا ونسائنا ضلالًا وتبرجًا وسفورًا؛ اللهم فاجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميرًا عليه، اللهم أذهب سمعه وبصره وعقله، واجعله عبرةً للمعتبرين وعظةً للمتعظين بقدرتك يا جبار السماوات والأرض.

اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم بطانةً صالحة، اللهم ارزقهم بطانةً صالحة، اللهم جنبهم بطانة السوء، اللهم ما علمت في أحدٍ خيرًا لهم فقربه منهم، وما علمت في بشرٍ شرًا لهم فأبعده عنهم، اللهم انصرهم ولا تنصر عليهم، اللهم ارفعهم ولا ترفع عليهم، اللهم سخِّر لهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك، وقربهم إلى من تحبهم وترضى عنهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم لا تدع لأحدنا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا دينًا قضيته، ولا مريضًا إلا شفتيه، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا مأسورًا إلا فككت أسره، ولا مدينًا إلا قضيت دينه، ولا معسرًا إلا حللت عسره، يا فرج المكروبين، يا نصير المستضعفين، يا إله الأولين والآخرين، فإن أمرك سبحانك يا حي يا قيوم بين الكاف والنون، وتقلب العسر إلى يسر، وتقلب الضيق إلى فرج، وتقلب الكرب إلى سرورٍ وراحة بقدرتك يا جبار السماوات والأرض.

اللهم لا تدم على مسلمٍ ضائقة، اللهم لا تدم على مسلمٍ كربة، اللهم من كان مكروبًا في دَين نسألك اللهم يا حي يا قيوم، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا من كان مكروبًا في دَين أن تفرج كربته، وأن تفك عسره، وأن ترزقه من واسع فضلك، وأن تغنينا وتغنيه بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، وأغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر نبينا محمدٍ، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه واشكروه على نعمه واشكروه على ما تفضل به عليكم يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت