أيها الشاب: من أي أقسام الشباب أنت؟ إن هناك أصنافًا وأقسامًا وأنواعًا من الشباب فمن الشباب من طموحه سيارة فخمة، ومنهم من طموحه شهوة عارضة، ومنهم من طموحه قطعة من أرض، ومنهم من طموحه زوجة جميلة، ومنهم من تتعدى طموحاته إلى أمر عجيب؛ لأن همته عالية، ولأن أمانيه عالية جدًا، فمن الشباب من يطمح أن يرى عزة الإسلام، ونصر المسلمين، ومنهم من يطمح أن يكون داعيةً، أو عالمًا، أو مجاهدًا، تأمل هذين المثلين! تأمل فرقًا بين الهداية والغواية، بين الغاية والنهاية، شابٌ يقتل شهيدًا في سبيل الله، والآخر يقتل قد طبق عليه حد الحرابة، أو حد القصاص، أو حدٌ لجريمة أو فاحشة، أو أمر من الأمور الخطيرة العظيمة، إن النهاية واحدة هي القتل، لكن هذا قتل شهيدًا في سبيل الله، وذلك قتل قصاصًا من ظلم ارتكبه إن ذاك قتل لكي يغفر له عند أول قطرة من دمه، وأما ذاك فقتل في حال ليكون عبرة للمعتبرين إن هذا قتل ورأى مقعده من الجنة، وشفع في سبعين من أهل بيته، وأمن فتنة القبر ومنكر ونكير، وهولًا عظيمًا، والآخر قتل وما كان قتله إلا في نهاية مرحلة طويلة من الشهوات والسيئات والمعاصي والمنكرات، وكم طرق أذنه من المواعظ والنصائح، ولكن كان عنها بعيدًا.
أيها الشاب: من أي أقسام الشباب أنت؟ شابٌ يسهر الليل يتقلب على فراشه أسفًا وحزنًا لواقع الأمة الإسلامية، التي أصبحت تئن تحت مطارق أعداء المسلمين؛ من صرب ومجوس وهندوس وملاحدة، ومن يهود ونصارى، وشابٌ تترقرق دموعه على خده؛ لأن حبيبته هجرته وما كلمته شابٌ يسهر يفكر في أمر الإسلام والمسلمين، وآخر يسهر ينتظر مكالمة من عشيقته شابٌ يسهر يفكر كيف يخدم دينه، وآخر يسهر ينتظر شهوةً محرمةً شابٌ يسهر يفكر كيف يعتق نفسه من عذاب الله، تجده سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، وأما الآخر، فقد أوبق نفسه {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:10] ، وقد أذلها وأغواها بكثير من المعاصي تأمل شابًا تنفرج أسارير وجهه، وتبرق ملامح وجهه فرحًا وغبطةً وأنسًا وتكبيرًا وتهليلًا يوم أن انتصر الإسلام في موقعة من المواقع، أو أسلم كافرٌ من الكفار، أو اهتدى ضالٌ من الضلال، أو عاد إلى الحق وقد كان بعيدًا عنه، أو رجع إلى الصلاة من هجر المسجد، أو عاد إلى البر والصلة من ارتكب القطيعة والعقوق، وآخر تجد أساريره تنفرج لأن فريقًا هزم فريقًا، وتجده يتهلل ويلتفت، وربما أتبع ذلك نعيقًا وصياحًا وصراخًا؛ لأن فريقًا هزم فريقًا فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللًا! شباب يسافرون، فمنهم من يدعو إلى الله، ومنهم من يسير في سبيل الله، ومنهم من يسعى لحج بيت الله، ومنهم من يشد الرحال إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخر يسافر ليرى غانية أو باغية، أو كأسًا من خمر، أو سيجارة من حشيش، أو شيئًاَ من عقاقير المخدرات، فشتان بين هذا وهذا.
تأمل -أيها الشاب- أن هناك فرقًا بين من إذا ذكر أثنت عليه المجالس، وحمدت مناقبه، ودعت له بظهر الغيب، وتمنى القوم أن يكون أبناؤهم مثله، وبين شاب إذا ذكر لم يذكر عند اسمه إلا العصيان والتمرد والغفلة والجريمة، فأي الفريقين أحق بالأمن من هؤلاء؟ ومن أي الشباب أنت؟ هل أنت ممن يحمد أو يذم؟ وهل أنت ممن يحمد على أمر، أم يذم على فاحشة ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! أيها الشاب: تأمل هذا الفرق وأنت الحكم بين الفريقين، فأما من سخط الله عليه فكل شيء عنده سبب في شقائه سيارته أشرطته ماله وعلاقاته، وكل ما عنده سببٌ في شقائه، وأما شابٌ آخر، فلو حرم كل شيء فلن يعجز أن يجد ما يصل به إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، نعم، هؤلاء شباب الأمة {مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} [الأعراف:168] صنفٌ تراهم: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36] وآخرون في المنتزهات، وآخرون يتسكعون في الطرقات، وآخرون في أماكن اللهو، وآخرون يعيشون حياة الضياع.
أيها الإخوة: عودٌ على بدء والعود أحمد فإذا تأملت أحوال الشباب بخلاصة ما ذكرت لك، فتجدهم إما شابٌ مستقيم، وإما شابٌ منحرف، أو شابٌ متحيرٌ بين بين.
فيا أخي الكريم: إياك أن تكون من المنحرفين، وإن كنت من المتذبذبين فعد، وإن كنت من المترددين فاجزم على الحق، وإن كنت من المستقيمين فاثبت.