كثير من الناس تفكيره سطحي حتى وإن بلغ ثلاثين أو أربعين سنة، أو حتى ولو كان جامعيًا، عندما تناقشه في مدركات عقله وفي أمنياته، يقول: أتمنى سيارة بورش تأتي من ألمانيا.
ثم ماذا؟ وأتمنى قطعة أرض.
ثم ماذا؟ وأتمنى زوجة.
ثم ماذا؟ ما أريد شيئًا! أماني ضعيفة وهابطة، العقل مبتذل في الحقيقة، ولذلك أصبحت الأماني على قدر هذا الابتذال، لكن الإنسان الذي همته عالية وكبيرة، تقول له: ماذا تتمنى يا أخي؟ فيقول: لا تكفيني سيارة بورش، أتمنى أن يسخر الله هذه الأموال في خدمة الجهاد والمجاهدين.
أتمنى أن أكون غنيًا عن الناس بما آتاني الله، مستغنيًا بعلم الله وفضله، نافعًا لهذا المجتمع، مؤديًا دورًا مهمًا يذكرني الناس به بعد موتي، لا حبًا في الثناء والشهرة، بل طلبًا للدعاء والذكر الصالح؛ لأن الخلق هم شهود الله في هذه الأرض:
إذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام
وأتعب الناس من جلت مطالبهم وإنسان همته علية ما يكفيه:
ولو كان ما أسعى لأدنى مذلةٍ كفاني ولم أطلب قليلًا من المال
المسألة لست مسألة عَرَضٍ قليلٍ من الدنيا، فالمسلم الذي لا يحتقر ذاته ولا يبتذل عقله؛ تجدون همته عالية، ليست الهمة محدودة، وكثير من الناس للأسف همته ضعيفة ومحدودة جدًا، وذلك يدلك على حجم التفكير.
أذكر أن شابًا كنت في مقابلة جادة معه، قلت له: يا أخي الكريم! ما هي أمنيتك؟ قال: أفتح سوبر ماركت، آخر ما يفكر فيه أن يفتح سوبر ماركت! هذه همة شاب؟! لا أقول: إنه عيب أن تفتح سوبر ماركت، لكن ينبغي أن تكون الهمة أعلى، قد تفتح سوبر ماركت، تفتح متاجر، تفتح محلات، تفتح مؤسسات، مباني، إنشاء، تعمير، لكن هذه وسيلة لغاية أعلى وأسمى ينبغي أن ترفع نفسك إليها، إذا لم تجعل لنفسك غاية وهدفًا تسعى وتتمنى أن تحققه في يوم من الأيام؛ فما هو دورك في هذه الحياة؟ الناس في هذا العالم كثر ولكن وكما قال إبراهيم بن أدهم:
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
وباقي الخلق هم همج رعاع وفي إيجادهم لله حكمه
فأنت إذا لم يكن لك شأن ومكانة وعلو منزلة فلا تحتقر نفسك، اعترف بوجودك، وحقق ذاتك في هذا الوجود؛ لكي لا تكون من الذين هم من سقط المتاع أو من الذين لا يعدون بأي حال من الأحوال.
إذًا أيها الإخوة الاحتقار من جانبين: احتقار مباشر؛ نتيجة إحباط أو نتيجة ضعف نفسي، وهذا قد يقول له إبليس: يا أخي لماذا لا تريح نفسك وتنتحر وتريحنا منك؟ وقد يفعلها، وقد فعلها كثير من الناس.
وفي الجانب الآخر يكون الاحتقار بسبب ابتذال النفس جنسيًا، وبسبب ابتذال الوقت، وبسبب ابتذال الفكر.