نحن يا معاشر المؤمنين! فينا من نقاط الضعف ما يُمكن أن يكون سببًا لسوء الخاتمة، وفينا من جوانب الخير ما نرجو أن يكون سببًا لحسن العاقبة، ولن نستطيع أن نتكلم عن كل الجوانب التي تكون سببًا لسوء الخاتمة للإنسان من داخل نفسه، ألا وإن منها: جارحة صغيرة جدًا، تكمن في مكانٍ خفي، تظهر تارةً فتلدغ، وربما التوت تارةً فتلسع، وربما صمتت فأُجرت، وربما نطقت فذكرت، آلا وهي اللسان!! هذا اللسان، القطعة الصغيرة، من عصبٍ وشُعيراتٍ ولحمٍ لا تراها بارزةً في وجه الإنسان، أو في جسمه، بل هي كامنة، ولكن تارةً تخرج فتلدغ صاحبها قبل أن تلدغ الآخرين، وآفات اللسان كثيرة، وكما قال معاذ رضي الله عنه: (أونحن مؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا يا رسول الله؟! فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على مناخرهم يوم القيامة في جهنم، إلا حصائد ألسنتهم!) .
اللسان ذلك الثعبان، أو ذلك الذي ينطق بذكر الرحمن، إما نعمةٌ أو نقمة:
احذر لسانك أيها الإنسانُ لا يلدغنّك إنه ثعبانُ
ربما عثر الرجل بقدمه أو سقط به جواده، أو زل به درج بيته، أو هوى من أعلى طابقٍ في منزله، وربما قام صحيحًا سليمًا معافى، وربما زل زلةً لم ير منها ورمًا، ولم ينسكب منها دمًا، ولكنها تهوي به في النار سبعين خريفًا، في الحديث: (إن الرجل ليلفظ بالكلمة، لا يُلقي لها بالًا، تبلغ به من سخط الله أن يهوي في النار سبعين خريفًا، فهو يجلجل في النار إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليلفظ بالكلمة من رضوان الله، لا يُلقي لها بالًا، تبلغ به أعلى الدرجات في مرضات الله جل وعلا) .
فاللسان أيها الأحبة! ذلك الذي نتزين به في المجالس، ونتنافس به في الفصاحة، وكل يُظهر نفسه منطقيًا فصيحًا، وقد نسي قول الله جل وعلا: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] .
وربما غفل الإنسان عن الحافظين الذين يكتبون كل دقيقٍ وجليلٍ مما ينطق: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الانفطار:10 - 11] .