كم نتمنى أن نعيش في عزة.
الآن انظر لو أن أفضل مطعم أتى بأكلات شعبية نظيفة ذات قيمة غذائية عالية، لأعرض عنها شبابنا إلى هذه الأكلات التي لا تجد فيها من القيمة الغذائية شيئًا، والسبب أن هناك تيار تغريب الأمة وتغريب الشباب، انظر إلى ملابس الشباب انظر إلى بنطلوناتهم وترنكاتهم والفنايل الرياضية والقبعات التي توضع على الرءوس، والكلمات التي تكتب على الفنايل، والعبارات التي تكتب على زجاج السيارات تجد هناك اتجاهًا تغريبيًا لهؤلاء الشباب، نحن نتمنى أن شبابنا يرون الغرب كالعذرة والخنزير.
قديمًا فيما مضى، كان في عصر الخلافة العباسية والأموية وغيرها يوجد فساق وأهل معاصٍ وشربة خمور، لكن ما كان في قلوبهم شيء من المحبة أو المودة للغرب والكفار، ما كان في قلوبهم تنازل أن ينظر إلى الغربي والكافر نظرة احترام وتقدير، ما كان يرضى أن يَعُد هذا الكافر شيئًا، اللهم إلا إنسان ذمي فله حقوق أهل الذمة فقط، لكن مصيبتنا الآن أن الشاب يدرس في الصباح التوحيد والفقه والحديث والثقافة الإسلامية، وفي المساء تجده مولع بالرياضة الغربية، الملابس الغربية، والأفلام الغربية، والأغاني الغربية، والموسيقى الغربية، وهذه المصيبة التي أورثت في نفوس الشباب هذا التغيير وهذا الاتجاه، والقضية قضية ولاء والخطر على جيل الأمة أن يكون جيلًا يعيش في بلد وجيله في بلد آخر، أن يعيش في بلد وانتماؤه إلى بلد آخر وإن لم يصرح بهذا، لكن الخطورة أن تكون هذه الفيروسات والأمراض قد دخلت في العصب والشعيرات الدموية، ونياط القلوب، وخفقات الأفئدة لشبابنا ونحن لا نعلم، نحن نريد شبابًا يعتزون بالإسلام.
يعجبني موقف يذكرون فيه أن شابًا كان ثريًا منعمًا، جيء في ذات يوم برجل يصلح ديكورًا في بيته، فكان هذا الشاب جالسًا مع شلته يتفرج على فيلم خليع، وهذا الرجل جالس على السلم يشتغل، فالظاهر في لقطة من لقطات الفلم وإن كانت خليعة لكن فيها شكل مضحك، كان هذا الذي على السلم في عقيدته خلل أو ينتمي إلى النصيرية تقريبًا، فالتفت يضحك مع هؤلاء الشباب الضاحكين، وقال: هذا كأنه ابن تيمية؛ لأن النصيريين يكرهون ابن تيمية كراهيةً شديدةً حتى في زمن من الأزمان قيل: إن واحدًا من الشياطين قال: هاتوا لي ابن تيمية حيًا أو ميتًا قالوا: هذا ميت من سنة سبعمائة وعشرين هجري، من أين آتي لك به الآن؟ فالحاصل أن هذا الذي يعمل في الديكور استهزئ بـ ابن تيمية، ففي تلك اللحظة قام ذلك الشاب الذي يجلس ينظر إلى هذا الفلم وأصبحت يقظة؛ لأنه ضرب ضربةً في صميم مثله ومبادئه وقيمه وقادته الأوائل، فأخذ الحذاء وقام يضرب ويلطم على وجه ذلك العامل إلى أن أخرجه قال: ما عاد إلا ابن تيمية، إذا كان هذا المجلس جعلنا نصل إلى هذه الحالة من سب علماء الإسلام وجعل هؤلاء يتجرءون علينا انتهت القضية، وكانت فكرةً بعد سكرة، وكان أمرًا بعد خمر، وكانت يقظةً بعد غفلة، نحن نريد من شبابنا يقظة، نريد من شبابنا عزة، نريد من شبابنا ألا يروا الغرب إلا كالأحذية، ونريد منهم أن يسابقوا الغرب في التكنولوجيا والعلوم التطبيقية والاختراعات، ولا يكفي أن نسخر بالغرب ونستهزئ به ونحن فقط لا نملك إلا سب الغرب وشتمه، نريد أن ننافسهم في الذرة والإلكترون وبما استطعنا من جدٍ ومثابرةٍ واجتهاد {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:33] هذا أمر نريده من شبابنا: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} [الانشقاق:6] الشباب اليوم يكدحون لكن بعضهم يكدح ثم يسعى في غضب الله، وبعضهم يكدح ويسعى في طاعة الله ومرضاته {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:9 - 10] الأمر بين أيدينا إن شئنا أن نكون ممن يشترون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله عز وجل، فإن الله رءوف بالعباد يقبل توبة عبده ولو أسرف على نفسه قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) [الزمر:53] ومن أعرض ونأى وغفل وأصر على معصيته وسوف وقال بعد أن نشيب وبعد أن نكبر، لعل وربما نتوب فقد تفاجئه المنية:
يا غافلًا عن العمل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل