أيها الأحبة! قد يقول قائلٌ وما السبب في خروج تلك الطوائف في العصور الغابرة على قياداتها، وعلى إماراتها، وعلى الولاة في زمنها؟ أيها الأحبة! الجواب في ذلك جليٌ واضح، فالذين أحسنوا المقاصد، وصلحت نواياهم كانت ذكريات الخلافة الراشدة بما فيها من العدل والأمن والطمأنينة وشوكة الدين وغلبة المعروف ماثلةً بين أعين كثيرٍ من المسلمين، كانوا يتمنون أن تعود الأمور كما كانت عليه، وليس هذا بأماني من أراد، فقد ورد في كل عامٍ ترذلون وتنقصون ولا تزيدون.
إن الحنين دائمًا إلى النماذج الراشدة، مستمرٌ، إن الحنين دائمًا مستمرٌ إلى صور الأمن الذي لا يكدره فزع، والعدل الذي لا يشوبه ظلم، والعطاء الذي لا تقطعه منّة، ولكن سنة الله في العباد {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود:118 - 119] .
أيها الأحبة! حينما اختل المنهج الشرعي أصيب المسلمون بخيبة أملٍ كبيرة وبمرارة ومعاناةٍ شديدة، حينما بلغ الأمر إلى إماراتٍ ربما أنكر المسلمون منها أمورًا كثيرة.
فعلى سبيل المثال: في زمن الدولة الأموية لما حلت الخلافة ونزلت إلى بلاط يزيد بن معاوية، حل في قلوب الناس ما حل، ومن الذين خرجوا ولم يرضوا بواقعهم، ولم يرضوا بإماراتهم ومجتمعاتهم، أقوامٌ رأوا ظلمًا أو نوعًا منه أو أنواعا، فقصدوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتهدوا في إصلاح ما فسد لا يريدون إلا الخير والإصلاح، ولكن كانت العاقبة وخيمة سيئة عليهم وعلى مجتمعاتهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصدهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كالذين خرجوا بـ الحرة وبـ دير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما، فالخروج على الولاة كان منذ زمنٍ قديم إما من أقوامٍ رأوا ظلمًا وعدوانًا أو منكرًا فأرادوا تغييره، أو أقوامٍ يرون أن لهم في الخلافة حظًا ونصيبًا فيريدون أن يعود الأمر إليهم، وبالجملة فالخارجون على الولاة إما خوارج أو محاربون أو البغاة، وهم الذين يخرجون على الإمام العادل طلبًا للملك والإمامة بتأويلٍ سائغٍ أو غير سائغ، فيسمون بغاة.
حتى وإن خرجوا بتأويلٍ سائغ يسمون بغاة، وإن خرجوا بتأويلٍ غير سائغٍ فيسمون بغاة، ومن الذين خرجوا أقوامٌ أهل عدلٍ خرجوا على أئمة جور، كما قال الحافظ ابن حجر: قسمٌ خرجوا غضبًا للدين من أجل جور الولاة، ومن أجل ترك عملهم بالسنة فهؤلاء أهل حقٍ، ومنهم الحسين بن علي وأهل المدينة بـ الحرة والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وإن التاريخ لناطقٌ شاهدٌ بما حل بهؤلاء رضي الله عنهم وجمعنا بهم في الجنة.