والمسألة الثالثة في مسائل الاستقامة والهداية ألا وهي: تحويل وصرف هذه العاطفة والاستقامة والهداية إلى برنامج عملي علمي دعوي منظم، فما أكثر الذين استقاموا سنة أو سنتين، شهرًا أو شهرين، ثم انتكسوا بعدها بيوم أو يومين!! وما السبب في ذلك إلا لأن استقامتهم أو توبتهم كانت بكاءً في ليلة سبع وعشرين في رمضان، أو بكاءً وحنينًا وخنينًا في ليلة تسع وعشرين، أو كانت لمجرد رحلة حج مع أقوام صالحين تأثر بعد ذلك، نعم.
وفي البكاء خير، وفي صحبة الصالحين في سفر العبادة خير، ولكن جاء الشر من جهة أنه لم يوظف هذا الخير، ولم يجعل هذا الخير في برنامج عملي، فمن ذاق الهداية والاستقامة، فعليه أن يحولها إلى برنامج علم وعمل، بمعنى أن تجعل لنفسك ومن نفسك في كل أسبوع محاضرتين، أو ثلاث تحضرها باستمرار كواجباتك اليومية من طعام وغداء، درسين أو ثلاثة من دروس التوحيد والفقه والسيرة، أو اللغة والفرائض، وغير ذلك حتى تستمر على الهداية، فإن من جعل مع الهداية طلبًا للعلم، وحرصًا عليه، واجتهادًا فيه، تفتحت له آفاق بعيدة، وأدرك أن طريق الهداية طويل، وطريق الاستقامة طويل، من لم يتزود فيه بالعلم والعبادة، فربما انتكس في يومٍ، أو بعد قريب أو بعيد من الزمن.
فيا أيها العقلاء! ويا معاشر الشباب! أحذركم من التزام العاطفة، وأحذركم من استقامة مفاجأة، وأحذركم أن تكون استقامتكم والتزامكم بهذه العواطف المؤقتة الآنية التي تشبه شموعًا تجمعت، فلما قابلتها حرارة الفتنة والشهوة ذابت، أو كجبال من جليد يظن العبد حال بكائه وحال تأثره أنه مستعد أن يريق الدم في سبيل الله، وأن يبذل النفس والنفيس والغالي والرخيص في تلك اللحظات المشحونة المتأججة بالعاطفة، فلما زالت لحظة العاطفة التي كان فيها لو طلبت روحه لقدمها، جيء ليطلب منه كفٌ عن معصية، أو إعراضٌ عن خطيئة، ذابت تلك الجبال الثلجية أمام حرارة صغيرة من الصغائر، أو كبيرة من الكبائر، فالعاقل ينتبه لهذا، ويستعين بالله صباح مساء، ويلح على ربه في سجوده خاصة؛ أن يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك.
ألا وإن من أعظم النعم الاستقامة، ومن أخزى الخزي الحور بعد الكور، والزيغ بعد الهداية، والضلالة بعد الاستقامة.