فهرس الكتاب

الصفحة 1672 من 3155

ولنعد إلى دولة الرسول صلى الله عليه وسلم لنرى صورة بين أسود وأحمر تلاحا رضي الله عنهما في حالة غضب، وفي حالة ضعف شيئًا ما، بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأسود الحبشي، وأبو ذر الغفاري من غفار، فلما كان بينهما من الكلام ما كان قال أبو ذر: (اسكت يا ابن السوداء، فسكت بلال رضي الله عنه) وسكت لأنه يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لن ولا ولم يقر يومًا ما، شيئًا من هذه العصبية، أو من ريحها، وحاشا الصحابة أن تتحكم فيهم الجاهلية، إنما هي نزغات من الشيطان يستعيذون بالله منها، فيولي شيطانهم خنيسًا بعيدًا.

فلما علم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بئس ما قلت له أن عيرته بأمه، ثم التفت إلى أبي ذر وقال: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية) لم يقل: أنت من أهل الجاهلية، ولم يقل: أنت جاهلي، وإنما قال: (فيك جاهلية) يمكن أن تزول بالتوبة، يمكن أن تضمحل وتتوارى بالأوبة.

(فبكى أبو ذر رضي الله عنه، وعاد إلى أخيه بلال يقبله، ويضمه، ويستسمحه، ويطلب منه العفو والمغفرة، فما كان من أبي ذر إلا أن وضع خده على التراب، وقال: يا بلال! لا أرفع خدي حتى تضع رجلك السوداء عليه) .

ولم يقل: أنا غفاري وهذا حبشي ولم يقل: أنا عربي وهذا أجنبي ولم يقل: أنا من غفار وهذا من الحبشة لا.

{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا} [الأعراف:201] يعودون، ويستغفرون، ويتوبون، ويئوبون، وبهذا نعرف كرامة كل مسلم، لو كان رصيده في البنك هللة، أو كانت أطماره بالية، أو كان على بند الساعات والأجور، أو كان لا يملك فلة فارهة، أو لا يجد ريالًا يركب به مع النقل الجماعي فضلًا عن كونه يملك سيارة أو لا يملك.

بهذا نعرف أن منزلة كل مسلم، إنما هي بما يحمل في قلبه من قربة إلى الله فمن كان أقربنا إلى الله، فهو أعلانا منزلة، وأما الأموال والأولاد، فكما قال ربنا جل وعلا: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} [سبأ:37] ليس البنون والولدان يقربان كل بعيد، أو يرفعان كل وضيع، أو يقويان كل ضعيف، أو يعزان كل ذليل، لا والله! إنما هو الإيمان، إنما هي التقوى، إنما هو الارتباط بالله جل وعلا.

مر رجل غني ثري وجيه رفيع وكان الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة جالسين، فسأل صلى الله عليه وسلم قال: (ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله! هذا رجل حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع فجدير بأن يشفع، وإن تكلم فضمان أن يسمع، ثم مر ضعيف فقير) ويا محنة الفقراء في هذا الزمان!

يمشي الفقير وكل شيء ضده ويرى العداوة لا يرى أسبابها

حتى الكلاب إذا رأت ذا نعلة هشت إليه وحركت أذيالها

وإذا رأت يومًا فقيرًا معدمًا نبحت عليه وكشرت أنيابها

حتى النفاق دخل في الكلاب، ثم مر فقير طرير لا يُلتفت إليه فقال صلى الله عليه وسلم: (ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله! هذا رجل مسكين، إن تكلم لا يسمع له، وإن خطب لا يزوج، وإن شفع لا يشفع له، فقال صلى الله عليه وسلم: لهذا خير من ملئ الأرض من ذاك) .

وليس الفقر منقبة بعينه، لكن لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم علم من انكسار ذلك الفقير، وقربه من الله جل وعلا، ما لم يكن موجودًا عند ذلك الغني بأمواله.

ويقول صلى الله عليه وسلم: (رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره) يعني: لو قال: أقسمت يا رب عليك أن تمطر السماء الآن لأمطرت.

(رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب) ربما يطرق الباب سائلًا أو محتاجًا أو واقفًا، فيفتح الباب ثم يدفع في وجهه (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) .

إذًا فإلام يمضي أولئك الذين يريدون أن يمزقوا شملنا في بلادنا بالعصبيات الجاهلية، والقوميات العنصرية؟! ونقول لأولئك الذين يرفعونها شمالًا أو جنوبًا، شرقًا أو غربًا، وسطًا أو قريبًا أو بعيدًا، نقول لمن أراد أن ينظر إلى قوته وموقعه بنسبه أو بحسبه، أو بأرومته، نقول له: تفتخر بماذا؟ بالخراءة والعذرة في جوفك؟ بالبول في مثانتك؟ بالقذى في عينك؟! بالمخاط في أنفك؟! بالوسخ في أذنك؟! بالبخر في فمك؟! بالنتن في بدنك؟!! هذا هو الإنسان، قذى في العين، مخاط في الأنف، وسخ في الجوف، أذىً في البطن.

بماذا يفتخر إنسان على آخر؟! حج الخليفة الأموي ومعه ولداه، وكان الذي يتولى الإفتاء في المناسك بأمر الخليفة هو عطاء بن أبي رباح؛ عبد مولى أُعتق فطلب العلم، فبلغ فيه قمته، فانتهت إليه الفتوى في أمور المناسك، وكان الناس يقفون عليه سماطين أو ثلاثة -بما نسميه طابورًا- كل ينتظر دوره لكي يسأل عطاء بن أبي رباح، وهل كان عطاء جميلًا طويلًا مهيبًا وسيمًا؟ كان عطاء رحمه الله مفلفل الشعر، لا يرى إلا بعين واحدة، أفطس الأنف، إذا رئي من بعيد كأنه غراب رحمه الله، فلما بلغ الأمر حد الخليفة، يريد الخليفة أن يسأل في شأن من شئون المناسك، فجاء الخليفة وجثا بركبتيه عند عطاء بن أبي رباح، وأجلس ولديه على يمينه ويساره، وطأطأ مطرقًا هيبة للعلم، وإجلالًا للعالم، الخليفة الأموي يطأطئ ويجثو بركبتيه بين يدي عطاء بن أبي رباح، فهل ضر عطاء أن كان عبدًا؟! وهل ضر عطاء أن كان مفلفل الشعر؟! وهل ضر عطاء أن كان أسود اللون؟! وهل ضر عطاء أن لم يكن له إلا عين واحدة؟! وهل ضر عطاء كل ما لا يحبه أولئك القوميون والعصبيون؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت