الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي بأمره تنسف الجبال نسفًا، فتكون قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، الحمد لله الذي بأمره تنكدر النجوم، وتنفطر السماء وتنشق الأرض، وتسجر البحار وتتفجر نيرانًا، الحمد لله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71] .
أيها الأحبة في الله! أذكركم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه، إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) اللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك والناس أجمعين، أنه ما جاء بنا إلى هذا المسجد وهذا المجلس إلا ابتغاء رحمتك، وابتغاء الذكر في الملأ الأعلى عندك.
اللهم حرم وجوهنا على النار، اللهم آتِ هذه الوجوه الطيبة، اللهم آتها من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشة أمنا، ومن كل فتنة عصمة، اللهم صل على محمد أولًا وآخرًا.
أحبتنا في الله: حديثنا اليوم عن هذه الأزمة التي قرأتم وسمعتم وتابعتم الكثير من أحداثها، ولكن من واجبنا ألا ننقطع عن مجالس الذكر والعبادة والدعوة، أيًا كان حجم الأزمات، وأيًا كان مستوى المصائب، والله إن من الأمور التي قد ينزعج الواحد منا أن يرى شيئًا من الفتور في مجالس الوعظ، والذكر، والندوات، والمحاضرات، بحلول هذه الأزمة، وكان من واجب الأمة ألا تزيدها هذه الأزمات إلا مزيدًا من البذل والعطاء.
كان مقررًا أن يكون عنوان المحاضرة"العلمانية وأثرها السيئ على الأمة"ولما جاءني أحد الإخوة بالإعلان المطبوع عن المحاضرة، قلت: هذا الموضوع لا يناسب الآن، ولا يصلح أبدًا؛ لأننا في مواجهة عدوٍ من الخارج، قد أحاط بحدودنا، وجيَّش جيوشه على سواحلنا، فمن واجبنا ألا ننشغل بالقضايا الجزئية أو القضايا الفرعية، ونحن نواجه أخطر الأعداء وأكبر الفتن بالنسبة لتاريخٍ نشأنا وترعرعنا فيه، ألا وهي هذه الأزمة الشديدة، نسأل الله جل وعلا أن يفرجها بمنه ورحمته عن الأمة أجمع.
أيها الإخوة! واختار الإخوة أن يكون موضوعنا:"وصايا للأمة في ظل هذه الأزمة".
وحقيقة نحن بأمس الحاجة إلى الوصية والنصيحة؛ لأنها بإذن الله جل وعلا من باب التواصي على الحق، والتواصي على الصبر، ومعرفة ما ينبغي فعله، لا نشك أن جميع المسلمين وجميع هذه الوجوه الطيبة، كل واحد يقول: لو علمت أن لي دورًا في هذه الأزمة ما ترددت عن القيام به، والبعض يظن أنه ليس له دور على الإطلاق، أو أن فعله أو قوله لا يقدم ولا يؤخر في ظل هذه الأزمة.
والله يا عباد الله! إن للبهيمة لدورًا في هذه الأزمة، فضلًا عنكم أنتم يا من أسجد الملائكة لأبيكم آدم، ويا من كرمكم وفضلكم على كثير ممن خلق تفضيلًا، وآتاكم الأسماع والأبصار والأفئدة، أتدرون ما دور البهائم في هذه الأمة؟ إن الله قد يرحم الأمة بها، إنما تنصرون وترحمون بضعفائكم، قد يرحم الله الأمة بالأطفال الرضع، والشيوخ والعجائز الركع، الذين لا يعرفون من السياسة قليلًا ولا كثيرًا، وبهذه البهائم الرتع التي تجأر إلى الله جل وعلا.
وإنا لما أخبرنا أحد الإخوة في أول ليلة سقط فيها عدد من الصواريخ، قال: سمعت مكانًا فيه عدد من القطط تموء مواءً لا يعلمه إلا الله جل وعلا، فقلت: والله لعلها تجأر إلى الله مما يحصل، وكما يقول أبو الدرداء: [إن الحبارى لتموت هزالًا في أوكارها من شؤم معصية بني آدم] ولعلها تدعو على بني آدم.