السؤالنرجو تذكيرنا بكلمة قصيرة عن الآخرة وجزاك الله خيرًا؟
الجوابفي الحقيقة لعلي أحوجكم إلى التذكير والله، لكن لا بأس أن يداوي الطبيب وإن كان مريضًا.
إخواني! نحن أمام ثلاثة أمور: الرصيد، والخاتمة، والمستقبل، أما الرصيد فأعني به الحسنات والسيئات، فالمسلم لا يضيع عليه شيء، جلوسكم في هذا النادي مكتوب لكم عند الله جل وعلا، وسوف تفتح السجلات والصحف يوم القيامة وكلٌ سيرى أعماله، فمن قدم خيرًا فسيجده مكتوبًا، ومن قدم غير ذلك فسيجده مكتوبًا ولا يضيع عند الله شيء: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47] اللمز والغمز، وإماطة الأذى عن الطريق، والبشاشة والمصافحة والكلمة الطيبة، وكل دقيق وجليل سوف تجده مكتوبًا: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة:7 - 8] {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49] .
فيا إخوان! الرصيد دائن ومدين، له وعليه، فينبغي أن تجتهدوا في ملء الرصيد ما دام أن هناك حركة وقدرة على العبادة والدعوة وإمكانية التزام، لكن إذا وضع الإنسان في قبره: {قَال رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون:99 - 100] .
المسألة ليست بالأمر الهين، فالذي يهمه رصيده في الدنيا، فليفكر في رصيده في الآخرة، والذي يدخلك الجنة بعد رحمة الله سبحانه وتعالى هو العمل، فالميزان سوف يوضع لك، وتوزن الحسنات والسيئات، نعم الكثير منا يعمل حسنات كثيرة، لكن رجل عنده مليونان، والمطلوب منه ثلاثة ملايين، هذا لا شك أنه خاسر، فلا يغرك يا أخي! إذا صليت الفجر مع الجماعة، وكذلك الظهر والعصر والمغرب فكثر الله خيرك، لكن فلنقدر أن ذلك اليوم رصيدك من الحسنات كان ألف حسنة وجلست ذلك المجلس، فأخذتم فلان بن فلان، وأخذتم تغتابون عرضه، وهكذا غيبة وراء غيبه حتى استلم من حسناتكم خمسمائة حسنة، وقلتم: خذ يا فلان هذه حسناتنا مجانًا، فأنتم بفعلكم هذا توزعون الحسنات التي اكتسبتموها على الناس، بقي لكم خمسمائة حسنة مثلًا فقلتم: هاتوا لنا شريطًا وشغِّلوه وفيه صورة امرأة، ومقطع أغاني، ومعزف وذهبت ثلاثمائة حسنة وإلى آخره، ما باقي لك من عملك إلا مائتي حسنة، وفي المقابل قد يكون عندك سيئات تفوق هذا كله، إذًا مسألة الرصيد انتبهوا لها جيدًا وحساب الادخار والتوفير مهم جدًا، اسأل نفسك كم بلغ رصيدك في الحسنات والسيئات تلق الطوام والمصائب.
سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! الذي لا دينار له ولا درهم، قال: لا، المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال وصلاة وصيام كالجبال، فيأتي وقد ظلم هذا، ولطم هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته؛ أخذ من سيئاتهم فطرح على سيئاته، ثم طرح في النار) ولا حول ولا قوة إلا بالله! فيا إخوان لا تقدموا على الله مفلسين، وحاسبوا أنفسكم، وقدموا لأنفسكم خيرًا، ومن ثم ننتقل من قضية الرصيد إلى قضية الخاتمة: متى نموت؟ لا ندري، هل نضمن أن هؤلاء الموجودين كلهم يعيشون إلى الغد؟ ربما أن واحدًا منهم يموت الليلة ونسأل الله طول العمر للجميع، لكن:
يا غافلًا عن العمل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
ينبغي للإنسان أن يستعد، لو قيل لك: ملك الموت عند الباب، فهل أنت مستعد جاهز؟ فتقول: لا والله، هذه الحاجة الفلانية لم أتب منها، والوديعة الفلانية ما أرجعتها، والمظلمة الفلانية ما تحللت منها، والإنسان في الختام تبرز أمامه ذنوبه في الأفق، فليحرص الإنسان أن يقدم على الله خفيفًا من الذنوب، مثقلًا بالحسنات والأعمال الصالحة، فالخاتمة يا إخوان أمر ينبغي أن يشغلنا، وكفى بالموت واعظًا.
لماذا قست القلوب وماتت؟ يسهر الواحد من بعد المغرب إلى آخر الليل ما ذكر الله قط، ثم يأتي ويرمي نفسه كالجيفة مضيعًا لصلاة الفجر، ويقوم الصباح وفمه ذو رائحة نتنة، ويأتي وينظر إلى الناس بعيون جاحظة من السهر، ثم هو متأخر عن أعماله ووظيفته، ثم يعود إلى البيت بصياح أعدوا الطعام إلى آخره، ثم ينام إلى العصر ويستيقظ، هذه حال كثير من الناس المساكين؛ سهرات في الليل وتأخر عن العمل، وسوء علاقة مع أهله، إنها حياة مملة، حياة الموت أريح منها والله، لا يذكر الله أبدًا، من حين يركب إلى حين ينزل وهو في موسيقى ودندنة ما هذه الحياة! أخي المسلم! أعط نفسك حظًا كاملًا من الراحة والنوم، يصلي الفجر: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل والنهار، ثم يجلس في مكانه يستغفر قليلًا، ثم يشم هواء الصباح الذي ما خبثته ذنوب بني آدم بعد، ثم ينطلق قويًا نشيطًا، ثم بعد ذلك يعود إلى بيته أنسًا بأهله وأولاده ويفتح بابه لإخوانه، حياة الطاعة والاستقامة والالتزام بأمر الله ومجالسة الصالحين والأبرار؛ حياة كلها لذة.
قبل أيام يقول لي شاب في مسجد: والله كانت حياتنا أفلام سكس، وخلاعة وسهرات، وقلة أدب وسفرات، يقول: كنا نعيش عيشة نكد، يقول: ونحن نعطي كل ما تريده النفس، نعطيها سفرة لـ بانكوك أو كازبلانكا، نشرب ونشرب، نفعل ونفعل، شريط وشريط، كل ما تشتهيه النفس، يقول: والله ما وجدنا راحة، وأنظر إليه وأتأمل في وجهه، وإذا في وجهه نور، وهذه اللحية الموفرة، ثم ماذا يا أخي؟ قال: والله ما وجدت الراحة إلا في التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، ومجالسة الأبرار والصالحين، والالتزام بأمر الله، لقد اطمأننت اطمئنانًا عجيبًا حتى لو جاء الموت فأنا مستعد.
الأمر الآخر: أمر المستقبل: كثير من الشباب يهمه أمر المستقبل، أقول: يا أخي أطمئن نفسي وأطمئنك أن إذا كنت حريصًا على المستقبل فالزم طاعة الله، وفي الحديث: (من أصبح وهمه الدنيا، جعل الله فقره بين عينيه، ووكله إلى نفسه، وشتت الله عليه ضيعته، ومن أصبح وهمه الآخرة، تكفل الله برزقه، وأتته الدنيا راغمة، وجمع الله له ضيعته) .
إذًا يا إخوان إذا كان يهمك مستقبلك خاصةً المستقبل المادي والمستقبل الوظيفي فالعمر بيد الله، إذا كتبت لك حياة، فالزم طاعة الله وسيأتيك من الخيرات: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:96] هات إيمان وتقوى وخذ حظوظًا من المال والنعم والخيرات من الله، بل قد يكون حظك من الدنيا ملايين، لكن أنت تفنيها وتذيبها بالمعاصي كما في الحديث: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) تصبح ذاك اليوم وقد كتب الله لك مكسبًا خمسين ألفًا أو ستين ألفًا في صفقة ما خطرت على بالك، لكن تصبح على معصية -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فتحرم الرزق بالذنب، ثم بدلًا من أن تكون الخمسين الألف لك صارت لعبد من عباد الله الصالحين؛ لأنها كانت مقسومة لك، فدفعت ما قسم لك بمعصية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والله لا يزيد العباد إلا بالطاعة: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7] فلا بد يا أخي أن تطمئن إلى أن أمر المستقبل بيد الله، فألح بسؤال الله دائمًا:
من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
بقدر سؤالك وإلحاحك إلى الله؛ فالله يعطيك: (ما من عبد يسأل ربه مسألة إلا دفع عنه من البلاء بقدرها أو ادخرها له في الآخرة أو آتاه إياها) اسأل الله كل شيء، ارتبط بالله، تفتح لك خيرات الدنيا، وإذا التزمت بأمر الله وكتابه، فلك نعيم الآخرة.
أسأل الله أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يجعل اجتماعنا هذا مبرورًا وذنبنا مغفورًا، وألا يجعل من بيننا شقيًا ولا محرومًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.