إن حقيقة العلم ما قاد إلى الخشية، {كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] العلماء فاعل ولفظ الجلالة مخشي منه سبحانه وتعالى، العلماء يخشون الله جل وعلا؛ لأنهم أقرب من غيرهم في معرفة إبداع الله وبديع صنعه في هذا الكون، يقول الله جل وعلا: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} [فصلت:53] حقق العلم الحديث أن غاية ما وصلت إليه العلوم في نوعين من العلم: علم الأبدان وعلم الأكوان، علم الأنفس وعلم الأفلاك، فمن توغل في هذا العلم ونال منه حظًا وقدرًا ونصيبا، وكان مرتبطًا أو على أصل سليم من فطرة طيبة، أو لم يكن معاندًا مكابرا فإن علمه هذا يقوده إلى خشية من الله ويقوده إلى تعظيم الله ويقوده إلى تحقيق وحدانية الله سبحانه وتعالى.
أيها الأحبة في الله: لا خير في العلم ما لم يكن مرتبطًا بالخشية من الله، وبدون هذا الارتباط ينقلب العلم دمارًا وهلاكًا على أبنائه، أما علوم الشريعة التي هي تاج العلوم وإمامها ورأسها وزعيمها، علوم الشريعة ما لم يكن الهدف منها مرتبطًا بتحقيق العدل وبذل العمل الصالح ونفع الآخرين وهداية الضلال وتبصير الجهلاء، فإن العلم قد يكون أيضًا حجة على صاحبه: (من سلك طريقًا مما يبتغى به وجه الله، من طلب علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يطلبه إلا للدنيا لم يرح عرف الجنة -أي: رائحتها- وإن عرفها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام) .
نعم -أيها الأحبة- علم الشريعة ما لم يدع صاحبه إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحقيق دين الله والدعوة إليه وبذل النفع للآخرين، والعزة والرفعة بهذا الدين فماذا يكون حظ صاحبه إن لم يكن هذا حظه من العلم.
يقولون زند العلم كاب وإنما رأوا رجلًا عن موقف الذل أحجما
فلو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما
أأشقى به جمعًا وأجنيه ذلة إذًا فاتباع الجهل أولى وأحزما
ما لم يكن الجد والاجتهاد في طلب العلم سبيل العزة في دين الله والرفعة في العلم بالله فلا خير لصاحبه مما علم إذا سخره للدنيا وحرم العباد من نفعه وفائدته.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.