السؤالسائل يقول: فضيلة الشيخ إني أحبك في الله، حبذا لو تحدثتم عن أسباب القحط الذي أصاب البلاد وخاصة بلادنا هذه؟
الجوابأيها الأحبة، هذا والله أمر مهم، وأعظم سبب كان شؤمه جليًا على العباد والبهائم والبلاد الربا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:278 - 279] الربا شره خطير وشؤمه مستطير، بل إن أدنى آثار الربا أن تمحق البركات وأن يحبس القطر من السماء.
ومن أسبابه: قطيعة الأرحام وعقوق الوالدين، والغش في المعاملات، والتدليس في البيوعات، هذا أيضا من أسباب القحط ولا حول ولا قوة إلا بالله، كذلك انتشار بعض المعاصي ورضا كثير من الناس بها على أنها أمر قد فرض نفسه، الملاحظ مثلًا كل واحد يمر يجد على اليمين فيديو الأماني مثلًا، ليتهم يسمونه بأسماء حقيقية لو يقولون مثلًا: فيديو الانحراف، فيديو الإفساد فيديو الجريمة، لكان معقولًا، لكن يسمونها بغير اسمها وغاياتها، فيمر الإنسان على محل الفيديو على اعتبار أن محل الفيديو أمر طبيعي قد فرض نفسه، لا، هذه شوكة ونبتة نجسة غريبة في قلب المجتمع المسلم هنا، فلو أن كل واحد مر وكما قال أبو محمد بن حزم: لو اجتمع المنكرون بقلوبهم على أمر ما غُلبِوا عليه.
يعني: لو أن كل من يمر على محل الفيديو وينزل قائلًا: يا أخي الكريم! اتق الله لا تكن سببًا في شؤم نفسك وأولادك والإنفاق على أهلك من السحت والحرام، اتق الله لا تفسد بيتك وتفسد أهلك وتفسد مطعمك ومشربك وملبسك وجيرانك ومجتمعك، ما ظنكم هذا الجمع الآن لو أن كل من مر على فيديو دخل إليه يعطيه شريطًا أو كتابًا وآخر ينصحه أو يدعو له، أو يسأل الله له الهداية، والذي يقول: يا أخي اترك هذا أسأل الله أن يبدلك خيرًا منه، هل تظنون أن صاحب هذا المنكر سيبقى على ضلالته وإمعانه وانحرافه؟ لا والله، لو اجتمع المنكرون بقلوبهم على أمر لم يغلبوا عليه، لكن تعود الناس أن يقبلوا صورًا من المنكرات ويعتبرونها أمرًا طبيعيًا، فكثير من الأمور يظن بعض الناس أن هذا وضع طبيعي، خذ مثالًا آخر على ذلك: محل الأغاني، بيع المحرمات وآلات اللهو والطبل والزمر وغير ذلك، فيا إخوان لو أن كل واحد رأى منكرا أنكره بكل ما في وسعه، وأقول: أما الإنكار باليد فلا تمدن يدك إلا إن كنت مخولًا بسلطة من ولي الأمر، لماذا؟ لأننا لو فتحنا باب الإنكار باليد، لربما جاء عدو لصاحب الفيديو وكسر محله ليس غيرة له ولكن انتقامًا لذاته وليس لمرضاة الله، ويدعي ويقول: جئت لأنكر المنكر، ولا تنضبط الأمور بقاعدة، نقول: لا، إنما الإنكار بالقلب واللسان هو من مسئولياتكم: (من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) فأنت مأمور بأن تغير ما كان تحت قدرتك وتحت صلاحياتك وتحت مسئولياتك في مؤسستك وشركتك ومتجرك ودكانك وقسمك ودائرتك، وهذا الأمر بين يديك فلا يجوز أن تقر منكرًا وأنت قادر على تغييره.
أيضا من أسباب القحط: عدم شعور الناس بحاجتهم إلى الغيث والقطر، فالناس قد غرهم أن المياه تحلى من البحار، وهذه نعمة من نعم الله جل وعلا، ونرجو ألا يكون استدراجًا، نسأل الله جل وعلا ألا نكون من الذين قال الله فيهم: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام:44] حتى البحار المالحة جاءت إليهم في أنابيب بيوتهم حلوة {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44] نسأل الله ألا نكون من أولئك.
فبعض الناس لم يشعر بالحاجة إلى ذلك، وظن أن القضية مسألة مياه من البحر، محطات تحلية وتصل، ما هي الحاجة للاستسقاء؟ شغلونا في كل وقت بالاستسقاء! ما هي الحاجة إلى ذلك؟ والدليل على ذلك، أن هذا الجمع مثلًا لا تجده غدًا في صلاة الاستسقاء، هذا الجمع بأكمله لا تجده غدًا في صلاة الاستسقاء، بل الكثير ربما يجلس لفطوره أو يتقلب في فراشة أو يتقلب ويقول: فرصة أن نتعذر بالاستسقاء ونتأخر عن العمل قليلًا، البعض ولا أعمم -أستغفر الله- فيا أحبابنا شعورنا بعدم الحاجة إلى ذلك أمر خطير، ثم إن هذه الأنابيب التي تحلي المياه، لو شاء الله لجعل الماء جامدًا حجرًا صلتًا لا يسري فيها: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك:30] أليست قدرة الله جل وعلا التي سخرت البحار المالحة، عبر الأنابيب عبر هذا التكاتف والترشيح ومختلف أساليب التحلية والتقطير وغيرها، حتى تصل إليك حلوة، أليست قدرة الله التي جعلت هذا ممكنًا؟ بلى، فينبغي أن نتقي الله في أنفسنا، وأن نشعر بحاجتنا إلى الله، ونسأل الله سبحانه بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم نستغفره ونتوب إليه ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، أن يغيثنا وأن يسقينا وأن يرحم العباد والبهائم والبلاد بمنه وكرمه إنه أرحم الراحمين.