إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة في الله: أشكر الله عز وجل ثم أشكركم على اجتماعكم في هذا المكان المبارك، ونسأل الله أن يجمعنا بكم في دار كرامته، وأسأله سبحانه ألا يحرمنا وإياكم أجر ما سألنا وقصدنا وطلبنا في هذا اللقاء، وهو أن يذكرنا الله فيمن عنده، وأن تحفنا ملائكته، وأن تتنزل علينا سكينته، وأن تغشانا رحمته، وأن نكون من عباده الصالحين المتواصين بالحق والصبر والثابتين عليه.
أحبتنا في الله: إنه لمن دواعي السرور والغبطة والمحبة أن يتشرف الواحد بالحديث بين أحبةٍ في الله، فيهم من هو خيرٌ منه، وفيهم من هم أعلم بالكلام منه، وفيهم من هم أحبابٌ يستفيد منهم ويفيدهم، ولا بد من هذا اللقاء، ولا بد من هذا الاجتماع، إذ فيه بإذن الله عز وجل شحنةٌ إيمانية تحرك الهمم، وتدفع العزائم إلى القمم، وتدفع بالنفوس إلى مرضات الله عز وجل، وحسبنا أنه اجتماع على طاعة، وسلامة من الجلوس على معصية.
أحبتنا في الله: موضوعنا عن عزة المسلم يجعل سائلًا يتساءل الآن ليقول: أي عزةٍ تتحدث عنها في زمن الذل مقابل السلام؟ وأي عزة تتحدث عنها في زمن تسلط اليهود على أمة الإسلام؟ وأي عزة تتحدث عنها وكل يومٍ نسمع فيه أنباء المقابر الجماعية في البوسنة وكوسوفا وفي غيرها لأبناء المسلمين؟ وأي عزة تتحدث عنها وحرب الصوت والصورة والكلمة عبر القنوات الفضائية، لا تدع جدارًا للحياء إلا هدمته، ولا تبقي سورًا للعفاف إلا صدعته وكسرته، فأي عزةٍ تتحدث عنها وشعوب المسلمين تحكمهم القوانين الوضعية، ويعرض بهم عن هدي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا من رحم الله وقليلٌ ماهم.
أيها الأحبة في الله: ما أكثر الذين تحدثوا عن العزة؛ إن الآباء والأجداد الذين تحدثوا وتغنوا بالعزة القعساء والمجد الأشم كثيرون، ولكن في هذا الزمن الذي أصبح الحديث فيه عن العزة نادر، بل إن أعداء الإسلام لا يرضون من المسلمين إلا أن يكونوا أتباعًا وأذنابًا وقردة وببغاوات، يقلدون ويرددون، ومن أراد أن ينفرد بمنهجه أو يتميز بسبيله، أو يتعلق بما أكرمه الله به، قابلوه بكل عبارات الأصولية والتطرف والإرهاب والتزمت والتعنت والتشدد والبلاء والتخريب والتدمير والفساد وغير ذلك.
نعم، كثير هم الذين يتحدثون عن العزة عازمين أو حالمين، صادقين أو واهمين، ولكننا -أيها الأحبة- نتحدث عن عزةٍ ليست آلة تتقلد، ونتحدث عن عزةٍ ليست لباسًا يلبس، ونتحدث عن عزةٍ ليست قصورًا ودورًا تسكن، وليست أنهارًا تجري وتشق، وليست مناصب ومراتب وأحساب وأنساب، إنما نتحدث عن عزةٍ هي مرتبطةٌ بمن له العزة وحده لا شريك له، من استمده منه وحده العزيز الجبار جل وعلا، فهو العزيز، ومن طلبها من غيره ذل وانكسر (كأنما تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) .
أحبتنا في الله: كان العرب قديمًا يظنون أن العزة كائنةٌ في الهيئات والأشكال والأنساب والقوى والعدد يظنونها على الماديات قائمة، وعلى سلالات الأنساب متكئة؛ فأنت العزيز الكريم بشرط أن تكون قويًا غنيًا عرق النسب، وقديمًا قيل: إنما العزة للكافر، لكن كان من العرب عقلاء أذكياء يرون العزة خلاف ذلك، إذ يقول قائلهم:
تعيرنا أنا قليلٌ عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليلٌ وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل
العزة: خلةٌ نادى بها الإسلام وغرسها في نفوس الناس ونشرها في أنحاء الأمة؛ فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: [أحب من الرجل إذا سيم خطت خسف أن يقول بملء فيه: لا] .
ولقد هدى الإسلام إلى أسباب العزة، ولقد بين الإسلام أسبابها وبين موانعها، التي تحول دونها وبلوغها، فالمؤمن عزيزٌ وغيره ذليل، وهكذا أهل الإسلام: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ} [يونس:26] بعكس الكفرة الفجرة: {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [القلم:43] {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} [آل عمران:112] .
إن ارتكاب الآثام سبيل السقوط والإهانة، ومزلقةٌ إلى خزي الفرد والجماعة، وقد بيَّن سبحانه أن الهزيمة في غزوة أحد سببها ما ارتكبه البعض من مخالفات: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران:155] ولذا بيَّن أن مصاب المؤمنين من أنفسهم: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:165] .
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخيرٌ لنفسك عصيانها
إن الذلة والهوان هي ضد العزة، وسببها الإعراض عن الله وشرعه وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.