وانظروا إلى من يشتغلون بالطاعة، ويعجبون بمن يشتغل بالطاعة، ذكر أن ثابت البناني رحمه الله خرج إلى بغداد فرأى بساتين جميلة فيها ثمار يانعة وورود مفتحة، وفيها أشجار فناء، ورياض خضراء، فقيل له: يا ثابت! ما الذي أعجبك في هذه البساتين؟ فقال: أعجبني في بستان كذا عجوز رأيتها تصلي الضحى، كان مشغولًا بطاعة الله، معجبًا بمن يطيع الله، فأعجبته طاعة الله، وإن بعض المسلمين قد لا يفعل كثيرًا من المعاصي، لكنه معجب بمن يقترفون أنواع المعاصي، وإن هذا دليل مرض القلب، أن تكون محبًا معجبًا بمن كان مشغولًا ماضيًا على معصية الله، لأن من أحب قومًا حشر معهم: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات:22] من أحب أهل الربا حشر معهم، من أحب أهل اللهو والصد عن ذكر الله حشر معهم، ولما جاء أعرابي قال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: من السائل؟ بعد أن أمضى حديثه قال: هو أنا ذا يا رسول الله! قال: ماذا أعددت للساعة؟ قال: ما أعددت لها كثير عمل ولكني أحب الله ورسوله، فقال: أنت مع من أحببت يوم القيامة) وآخر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (المرء يحب القوم ولما يلحق بهم -لم يصل درجتهم، يوشك أن يصل درجتهم- فقال صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب يوم القيامة) وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الهوى فقال: (المرء مع من أحب يوم القيامة) فإن لم تكن صالحًا مصلحًا هاديًا مهديًا فلا أقل من أن تحب الصالحين، وتعجب بهم، وترجو وتتمنى أن يكون أبناؤك وبناتك وأقاربك ومن دونك وتحت ولايتك أن يكونوا على هذا السمت الطيب:
إذا أعجبتك صفات امرئ فكنه يكن فيك ما يعجبك
فليس على الجود والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك
أيها الأحبة: من سير المشتغلين بطاعة الله الذين يرجون الآخرة ورحمة الله، كان أحد السلف لا يقرأ آيات العذاب وأهوال القيامة إلا إذا علم أن ولده ليس معه في مسجده، لما يصيب ولده من الوجل الذي يحصل له بسببه السقم، فصلى ذات يوم ولم يعلم أن ولده وراءه فقرأ آيات من الوعيد وولده معه في المسجد، فسقط الولد مغشيًا عليه وعاد إلى البيت سقيمًا، نحن لا نطالب الناس جميعًا أن يبكوا، فمن الناس من يعجز عن البكاء، وليس عدم بكاء الإنسان دليل على فجوره أو فسقه، لكن انظروا من اشتغلت نفوسهم بالطاعة تهتز أفئدتهم ولا يملكون دموعهم، ويهتزون خوفًا ورغبة وطمعًا ورغبًا ورهبًا.