وهذا ربعي بن حراش قلما رئي هازلًا ضاحكًا، فقيل: لماذا لا تضحك؟ فقال: وكيف يضحك من سيمر على الصراط، فلما مات مات ضاحكًا متبسمًا، وغسلوه وهو ضاحك، ودفنوه وهو ضاحك مبتسم، ولسنا بهذا نحرم أو ننكر على أحد الضحك، ولكن نقول: من اشتغل بشيء أشغله، من أولع بشيء شغل قلبه، من اشتغل بالطاعة شغلته واهتم بها، والدار الآخرة مثل حالي أو حال كثير من الناس فيها كحال رجل أعطي أرضًا فلم يحفر بها بئرًا، ولم يغرس بها نخلًا، ولم يجعل لها سورًا، فلا يبالي أن ينزل بها الذئاب والكلاب، وأن ترمى بها الأقذار والأوساخ، وآخر أعطي أرضًا، فأنشأ لها سورًا، وغرس بها نخلًا، وحفر بها بئرًا، فهل يرضى أن ترمى بها المزابل والأوساخ والسباطات والقذارات؟ لا.
فالشاب الذي يبني الآخرة، يسورها بسور جميل، يشق فيها أنهارًا، يغرس أشجارًا، ويحرثها، فلا يرضى أن يرمى في أرض آخرته المزابل والمعاصي، أما الذي أرض آخرته كلأ مباح للذئاب والبهائم يوضع فيها الروث والسرجين والنجاسات والأوساخ، فلا تعجب ألا يبالي بأمر آخرته، وربما نفع غيره بضر آخرته هو: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} [الجاثية:21] .
يا شباب الإسلام! لا تظنوا شابًا إذا رأى امرأة ولو اشتهى النظر إليها عف وغض بصره عنها، كشاب تابعها حتى يواريها مأواها، لا تظنوا شابًا عرض عليه فلم فرمى به وكسره يستوي مع شاب أشغل ليله سهرًا في رؤيته ورؤية ما فيه من الحرام.
يا شباب! لا تظنوا شابًا قد جمع آلافًا أو مئات أو عشرات من أشرطة الغناء يستوي مع شاب لا يسمع إلا كلام الله ورسوله، لا تظنوا شابًا يذهب مع الغادين والرائحين ومن هب ودب في الأسواق والمجمعات التي فيها الغث والسمين والضار والنافع يستوي مع شاب لا يرد إلا حلق الذكر، ورياض الجنة، ومجالس العلماء، ومواقع الطاعة بإذن الله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} [الجاثية:21] .