معاشر المؤمنين: إن بعض الناس قد لا تجدي هذه الأسباب في علاج قسوة قلبه، فإليه سببًا قد يكون معينًا بإذن الله في علاج قسوة قلبه، أتدرون ما هو يا عباد الله؟ هو أن تحضر رجلًا يجود بنفسه، أن تشهد وفاة رجلٍ في الرمق الأخير من حياته، أن تشهد رجلًا يحتضر، فإذا أعانك الله وأخذت تلقنه الشهادة وأنت تنظر إليه، وتعرفه؛ تعرفه بأيامه وصحته، وبنشاطه وبتجارته وبأعماله، وأنت واقفٌ على رأسه تلقنه تقول له: يا فلان بن فلان قل لا إله إلا الله، وأنت تنظر ذلك البدن الطويل، وذلك الجسم القوي، وذلك اللسان الفصيح، وتلك الأيدي الباطشة، وتلك الأرجل القوية، تعالج وتنازع وتجاهد نفسها في النطق بشهادة لا إله إلا الله، إن ذلك يا عباد الله! حريٌ بأن يكسر قسوة القلوب، وجمودها، ثم بعد ذلك لا تطرد هذه الصورة عن مخيلتك، فإنك إذا دعتك نفسك إلى شهوةٍ أو إلى غفلةٍ أو إلى معصية من معاصي الله سبحانه وتعالى تذكرت ذلك الرجل الذي وقفت عند رأسه وأنت تلقنه الشهادة، وتذكرت ذلك الذي لا يملك لنفسه شيئًا قليلًا ولا كثيرًا، فهذا يدعوك إلى أن تئوب وتتوب.
قيل لبعض السلف: [بلغت عمرًا طويلا ما عرفنا عنك معصية وما وقعت في خطيئة! قال: أما ذلك فبيني وبين ربي، ألا وإني إذا همت نفسي بمعصية، فإني أتذكر الموت وأخشى أن يقبض الله روحي وأنا عليها] .
نعم يا عباد الله: إن من تذكر الموت وأنه يفاجئ أصحابه مفاجئة، فإنه -يا عباد الله- لا شك يقلع عن المعاصي خشية أن تقبض روحه وهو على حالٍ مقارفة الذنب والمعصية، فما حال الذين يموتون سكارى؟ فما حال الذين يموتون غافلين؟ فما حال الذين يموتون وهم في بلاد الغرب بين أحضان البغايا؟ فما حال أولئك الذين يموتون وهم منشغلون في الربا، وهم منشغلون بالمكاسب الباطلة والحرام؟ ما حال أولئك الذين يموتون في محلات بيع الأفلام الخليعة؟ والأشرطة الماجنة؟ إن لم يتدارك الله الجميع برحمةٍ منه، فيا سوءة الأعمار! ويا ضيعة النفوس حين الفزع الأكبر، والهول العظيم أمام الله!