عباد الله: أنتقل بكم من هذا المكان لزيارة في الله لإخوان مرضى في مستشفى النقاهة الذي كان يسمى مستشفى العزل، مستشفى الحميات بطريق الخرج، لكي تعرفوا -أيها الإخوة- نعم الله عليكم في عقولكم وأسماعكم وأبصاركم وأبدانكم.
أيها الأحبة: تدخلون مدخلًا فتجدون أمواتًا لكنهم يتكلمون، وبعضهم أموات لا يتكلمون لكن أبصارهم لا زالت تطرف يرون ما يقف على رءوسهم، ولا يستطيع أن يتكلم أو يسمع، فإذا وقفت أمامه ورفعت يديك مشيرًا له أنك تدعو الله له بالعافية لم يجد وسيلة للتخاطب معك إلا أن يطلق الدموع غزيرة مدرارة على وجنتيه، يراك واقفًا وهو لا يستطيع الوقوف، يراك تتكلم وهو لا يستطيع الكلام، يراك تسمع وهو لا يستطيع ذلك.
أيها الأحبة في الله: يا من يشكون قسوة القلوب! يا من قست قلوبهم بألوان النعم ومختلف الطعام والشراب! زوروا إخوانًا لكم في مستشفى النقاهة وانظروا أحوالهم، طائفة منهم قد أصيبوا بارتجاج في المخ مع خلل في النخاع الشوكي، ونتيجة هذه الإصابة فقدان كثير من الحواس مع شلل نصفي أو ثلاثي أو رباعي، ألوان مختلفة، تزور غرفة فترى فيها مريضًا لا يسمع ولا يبصر اللهم إلا هواءً ونفس يخرج ويدخل، وينتظر ساعته ولله في ذلك حكمة، لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج من الدنيا وما عليه خطيئة، وإن البلاء في الدنيا لأهون من العذاب في البرزخ والآخرة، ولله في ذلك حكمة.
فتزور غرفة أخرى فتجد رجلًا سويًا جميلًا نظرًا لكنه لا يتكلم، فقط يسمع ولا يتحرك من سريره، لا يستطيع أن يتكلم، وإذا سبقت له القراءة فكتبت السؤال على ورقة وعرضته أمامه، أشار إليك أن له على هذا السرير، أربع سنوات على ظهره، ويعاني آلامًا عظيمة.
ثم انتقلت إلى غرفة أخرى لتجد أناسًا لا يجدون مسلكًا للطعام إلا مع أنوفهم؛ لأن اللسان -أيضًا- قد أصيب بالشلل، والفم أيضًا قد أصيب بالشلل، فلا يستطيع أن يحرك اللقم حتى تمر على المريء ثم إلى الجوف.
ثم تنتقل إلى مكان آخر، فتجد مجموعة قد فتح له في أسفل رقبته فتحة قد تكون مساعدة للتنفس في بعض الحالات.
أيها الأحبة في الله: وماذا بعد ذلك؟! نعم لقد بذل لهم بفضل الله والشكر لله، ثم لهذه الحكومة الطيبة في مداراتها لأولئك، لقد بذل لهم لون من الرعاية منقطع النظير، ولكن ماذا يجدي حتى ولو عاشوا فوق السرير وعلى الحرير، ماذا يجدي ذلك؟ يريدون العافية ولو كانوا يشتغلون ليل نهار، يريدون العافية ولا يخرجون من المساجد، يريدون العافية ولو أمضوا دهرهم صائمين، يريدون العافية ولو بقوا طوال الليالي قائمين، العافية العافية التي أنتم تتقلبون فيها ولكنكم في غفلة من نعم الله عليكم، {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا} [المعارج:19 - 20] لو يصاب أحد منا بشوكة أو بأثر أو بوعكة أو بأزمة لوجدته هلوعًا جزعًا خائفًا متضرعًا {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج:21] فإذا عاد إلى العافية أصبح يستكثر على الله ما يعمله، ويستكثر على الله ما يبذله، ويستكثر على الله ما ينفقه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والمصيبة التي بعد ذلك -يا عباد الله- عملية إخراج الطعام من أجوافهم لا تتم كما تتم لأي أحد منكم، بل بعضهم تستمر هذه العملية وكأنها حالة ولادة خمس ساعات وأربع ساعات بمجموع من الأوعية والمحاليل، وألوان من الأدوية تعالج في مؤخرته حتى يسهل الله له فرجًا -يا عباد الله- والله إنها لمعاناة عظيمة، أحدهم يقول: يمر علي في الأسبوع يوم واحد هو اليوم الذي يستطيع أن يخرج فيه، طيلة ستة أيام يظل يعاني آلامًا ويقاسي مصائب في جوفه؛ لأن قضية الإخراج بالنسبة له عملية صعبة جدًا، فيحدد له يوم واحد في الأسبوع، ثم يقول لنا: تصور ماذا تعاني زوجتك عند الولادة، والله إنا لنعاني أشد من ذلك في سبيل إخراج ما في بطوننا.
أيها الأحبة في الله! أليست نعم الله عليكم عظيمة
لم تشتكي وتقول إنك معدم والأرض ملكك والسما والأنجم
أليست نعم الله عليكم عظيمة؟! والله نعمة الإسلام أول النعم، ونعمة العافية في كل ذلك عامة شاملة من أكبر النعم أيضًا، فالحمد لله على هذه النعم.
إخواني في الله: إخوانكم في مستشفى النقاهة الذين يعانون ألوانًا؛ إما من الصمم، أو من الغيبوبة، أو من الشلل الرباعي والثلاثي، لهم أسر يحتاجون المساعدة ويحتاجون الرعاية، ولما اجتمع بعض الشباب الصالحون فتبرعوا لبعضهم بألوان من العربات المتقدمة التي تسهل عليهم نوع الحركة، وبعضهم لما استطاع الكلام قيل له: نعطيك عربة؟ قال: لا.
أريد البقاء على السرير وأرسلوا قيمة العربة إلى أولادي وأطفالي، إن ورائي ذرية لا أعرف من ينفق عليهم أو يصرف عليهم.
أيضًا أيها الإخوة: لهم من الأسر من يحتاجون النفقة، وكبار السن الذين هم في مثل هذه الحالة لا يعرفون أحدًا يزورهم، قد مل أبناؤهم وإخوانهم وذويهم من زيارتهم، يقول مشرف المستشفى: بعضهم نمكث مدة لا نرى أحدًا يسأل عنه أو يطمئن عن حاله، لا حول ولا قوة إلا بالله! عباد الله: احمدوا نعمة الله عليكم، أنتم في حرية والسجناء في ضيق، أنتم في عافية والمرضى في بلاء، أنتم في نعم وذوو الصمم والبكم في مصيبة لا يعلمها إلا الله، فاحمدوا الله على هذه النعم، احفظوا أسماعكم قبل أن تصم، ولا تجعلوها وسيلة للهو والعزف والطرب وسماع ذلك كله، اسمعوا بها ذكر الله وكلام الله وحديث رسول الله، احفظوا ألسنتكم واجعلوها ذاكرة لله، احفظوا أبصاركم ولا تجعلوها لأفلام الفيديو والمسلسلات التي فيها من الصور ما لا يرضي الله جل وعلا، احمدوا نعم الله عليكم وبادروا أنفسكم بالأعمال، هل تنتظرون إلا غنىً مطغيًا، أو فقرًا مدقعًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر؟ اللهم عافنا في أبداننا، اللهم عافنا في أسماعنا وقواتنا أبدًا ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا، وأعنا بها على طاعتك واصرفنا بها عن معصيتك، واجعلها عونًا على الطاعة، وبلاغًا إلى حين.
اللهم توفنا على الإسلام شهداء، اللهم توفنا على الإسلام سعداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء.