ويقول الله جل وعلا في موضعٍ آخر عن كيد الشيطان وعداوته: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ} [النساء:117 - 118] ماذا قال الشيطان؟ {وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء:117 - 120] .
انظروا يا عباد الله إلى أي درجةٍ وإلى أي حدٍ بلغت هذه العداوة، حيث وقفت الشياطين لبني آدم عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن أمامهم ومن خلفهم على جادة الصراط وواضح المحجة لتحرفهم عن نهج الله المستقيم، فتنبهوا لهذه العداوة، تنبهوا لها يا عباد الله! واعلموا أن أساليب الشيطان لا تأتي إلى بني آدم فجأةً أو مرةً واحدة، إن الشيطان حينما يأتي لواحدٍ من البشر وهو يريد أن يوقعه في جريمة الزنا مثلًا لا يقول له اذهب فازن بهذه المرأة، بل يقول: ماذا عليك لو قضيت شيئًا من الوقت عبر هذا التلفون معها؟ ماذا عليك لو أنك ساعدتها مثلًا وهي نازلة؟ ماذا عليك لو وصلتها إلى بيتها؟ قليلًا قليلًا، ومن هنا جاء قول الله جل وعلا جليلا ً دقيقًا واضحًا في بيان حقيقة مكر الشيطان وخبثه، حيث يقول سبحانه: {لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور:21] إذ أن الشيطان لا يأتيك فجأة، لا يأمرك بالفاحشة فجأة، لا يأمرك بالجريمة فجأة، وإنما يمهدها لك خطوة خطوة حتى يقع الإنسان والعياذ بالله في هذه الفاحشة والمصيبة العظيمة.
وإن هذا واضحٌ وجليٌ في هذا الزمان حيث أوقع الشيطان بحبائله وهن النساء الفاتنات الجاهلات العاصيات الكاسيات العاريات، أوقع الشيطان خلقًا عظيمًا من خلق الله في حبائله عبر هذه الخطوات الخطيرة، فأولها شيءٌ من التهاون، وبعدها شيءٌ من التهاون بالحجاب، ثم بترقيق الكلام والخضوع بالقول وتكسيره، ثم شيءٌ من الخلوة ليس على عزم فعل فاحشة، لا، بل إنما لشيءٍ من المساعدة ولماذا نفرض النية السيئة في بداية الأمر؟ ثم رويدًا رويدًا حتى تتمكن الخلوة، ويحضر الشيطان، ويغيب الإيمان عن ذهن الإنسان، ثم بعد ذلك تقع الفاحشة، وقديمًا قال الشاعر:
فتنوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء
نظرةٌ فابتسامة فسلام فكلامٌ فموعدٌ فلقاء
فاتقوا الله في قلوب العذارى فالعذارى قلوبهن هواء
نسأل الله جل وعلا أن يجنبنا وإياكم كيد الشيطان ومكره، وألا يجعلنا من حزبه.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.