من الصور المشرقة الجميلة، وكل حياة إمام الهدى إشراق وجمال، من الصور المشرقة الجميلة في حلمه صلى الله عليه وسلم ما ورد في الصحيحين عن أنس قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذة الأعرابي، فقال الأعرابي: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك؛ فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وما تظنونه فعل؟ وما تظنونه قال؟ وما تظنون الذي ارتسم على قسمات وجهه وملامح محياه صلى الله عليه وسلم من الأمور؟ - التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكًا، ثم أمر له بعطاء وقال: أعطوه) .
ما ظنك لو أن واحدًا من أبنائك الذين أوجب الله عليك نفقتهم جبذك بطرف ثوبك لا بحاشية عاتقك، لا بحاشية قميصك، ثم قال: يا أبت! أعطني.
والله لتصفعنه أو لتضربنه أو لتؤدبنه أو لتفعلن به فعلًا عظيمًا، ناهيك أن لو فعل هذا واحد من الأباعد دون الأقارب، فهذا أعرابي فض غليظ يجر النبي صلى الله عليه وسلم بحاشية البرد حتى أثرت حاشية البرد من الجانب الآخر في صفحة رقبته صلى الله عليه وسلم، ثم يقول الأعرابي: يا محمد! مر لي من مال الله، فإنك لا تعطينا من مالك ولا من مالك أبيك، فالتفت صلى الله عليه وسلم ضاحكًا، التفت متبسمًا، التفت حليمًا، التفت صافحًا غافرًا لهذا الأعرابي.
إن عفو النبي له شأن عجيب وله صور عجيبة، يقول أبو عبد الله الجدلي: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: [لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخابًا، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح] رواه الترمذي والطيالسي وأحمد، وإسناده صحيح.
هكذا شأنه، هكذا أمره، كان صلى الله عليه وسلم يعفو، كان صلى الله عليه وسلم يصفح، والعفو دليل القوة،، والكرم، والعفو دليل العزة، والمنعة، لا نظن أن العفو دليل ضعف، ولا نظن أن العفو دليل جهل، ولا نظن أن العفو دليل غفلة، بل العفو دليل وعي ورحمة وحكمة، وخير الناس من تحلى واقتدى بسيرة إمام الهدى صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعفو ويصفح.