فهرس الكتاب

الصفحة 638 من 3155

كذلك من أهم المسائل في حقوق الزوج على الزوجة وحقوق الرجال على النساء: معاشرة الزوجة لزوجها بالمعروف، فعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228] قال: لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن -ثم قال- والآية تعم ذلك من الحقوق الزوجية.

قال الشيرازي في المهذب: ويجب على المرأة معاشرة الزوج بالمعروف من كف الأذى ونحوه لقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] .

وهنا أشير بهذه المسألة التي أختم بها في باب المعاشرة ألا وهي: حسن الخلق بين الزوجين.

إن من الناس من تراه عفيفًا لطيفًا حلو اللسان، كريم المعشر، خفيض الجناح، لين الجانب إذا تجاوز باب بيته لكنه إذا عاد إلى الدار فسباب ولعان وطعان لا يكف عن الشتيمة، وأنا أقول لهذا: إذا كنت تحتسب على الله بصبرك على أذى الناس، وتحتسب على الله عز وجل فيما تلقاه من أذية بعض من عرفوا بالرعونة في كلامهم ومواقفهم، تحتسب أن ذلك من الخلق الحسن الذي تتقرب به إلى الله: (إن من أقربكم مني مجالسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا الموطِّئون أكنافًا) .

أقول: فإن الزوجة التي هي متاع فراشك، والزوجة طاهية طعامك، وحاضنة ولدك، والزوجة التي تحفظ غيبتك، والزوجة التي هي أنسك وسكنك أولى بهذه المعاملة الحسنة، فإياك والسباب! وإياك الشتيمة! بعض الرجال لا يكف عن لعن المرأة صباح مساء أمام أولادها، بل وأعظم من ذلك يسب والديها الذين هما تحت الأرض في المقابر، وأسوأ من ذلك من تراه لا يرى لها قدرًا فيسبها في مناسبة قد جمعت الأقارب والأباعد ليظهر رجولته وفحولته بسبها وشتمها وإهانتها، وأسوأ من ذلك من يضرب ويهدد بالطلاق عند كل صغيرة وحقيرة لا تستحق أن يلتفت لها الرجل ببصر فضلًا عن أن يتكلم عنها بلسان.

هذه من المسائل المهمة في المعاشرة بالمعروف: أن يكون الرجل طيب اللسان، من الرجال ومن النساء من يغبطون على حسن عشرتهم مع بعضهم، فامرأة تقول: قد مكثت مع زوجي أكثر من عشرين عامًا والله ما سبني ولا شتمني ولا قال لي كلامًا يجرحني أو يؤذيني، نعم إن كره شيئًا سكت أو أعرض عن الطعام أو هجر الفراش! عشرين سنة! أليس هذا من الخصال التي يحتسبها صاحبها قربى عند الله عز وجل ترفع درجاته وتثقل موازينه؟ بلى، إذًا فلماذا نرى بعض الناس لا يقيم لهذا الباب وزنًا ولا يقدر له قدرًا، بل ويربي أولاده على عقد نفسية من كثرة حلبات الصراع التي تعقد كل يوم بين الرجل وزوجته في تطاول بعضهما على بعض، وإهانة بعضهما لبعض وغمز ولمز بعضهما لبعض.

الجوابمن سمع زلة أن يتزاور عنها ذات اليمين وذات الشمال، وألا ينتصب لها ليتلقاها بلسانه قبل أذنه، والواجب على من قدر أن يعفو ويصفح ويتجاهل أن يكون ذلك خير له:

إذا كنت في كل الأمور معاتبًا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه

فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه

كفى المرأة نبلًا أن تعد معايبها، إذا كان غالب خصالها وفعالها من المناقب التي خلت من المثالب فتشكر وتؤجر، وتلك درة مكنونة، وجوهرة مصونة، تستحق الدعاء والإكرام.

من المعاشرة بالمعروف: تقدير المواقف، امرأة حملت تسعة أشهر لا تلتذ بنوم، ولا تهنأ بطعام، ولا تقر لها عين في نوم متواصل، ثم تنتهي من الولادة لا تقدم لها أدنى هدية؟! والله لو اقترضت لها قرضة حسنة لم يكن ذلك كثيرًا على امرأة كانت فراشًا لك، وحبلت منك، وحملت ولدك من صلبك في أحشائها تسعة أشهر ثم رأت الموت رأي العين في آلام الطلق والمخاض ثم بعد ذلك لا تبالي؟ من جلافة وغلظ ورعونة بعض الرجال أن المرأة تلد فلا يقف عند رأسها حال ولادتها، ولا يلزم أن يقف حال الولادة لكن أن يكون معها، أن يطمئن عليها، أن يوصلها بنفسه، أن يعتني بها، أن يأتي إليها بعد ولادتها، الناس يختلفون في ظروفهم وأحوالهم، بعضهم تلد ويمضي بعد الولادة أيام فلا يسأل ولا يطمئن ولا يعرف، بل ولا يقول: أروني هذا المولود وكأنه جاء من غير صلبه.

هذه من الأمور التي تجرح أفئدة النساء وقلوبهن، فينبغي للرجال وللنساء أن يحسنوا المعاشرة فيما بينهم بالمعروف.

وبالمناسبة: فإني ما رأيت شيئًا أفسد للب الرجل من نكران المرأة حسن صنيعه معها، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل العاقل منكن! لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله قالت: ما رأيت منك خيرًا قط!) لأن جحد المعروف وإنكار الجميل مما يفسد القلوب، فينبغي للمرأة أن تنتبه لذلك، فهناك من المواقف ما يستحق عليها الرجل الشكر، رجل كل صباح الساعة السابعة والنصف على سيارته في الطريق أمام إشارات المرور للوصول إلى العمل، وعمل مستمر ثمان ساعات ثم يخرج إلى البيت ليقبض آخر الشهر أربعة أو خمسة آلاف ريال وأين يذهب بها في الآونة الأخيرة؟ نهاية الشهر يصرفها على طعامك وشرابك وأولادك وهواء بارد في بيتك، وطعام لذيذ في مطبخك، أفلا يستحق الزوج إذا جاء بالطعام أن يقال: الله يخليك لنا، الله يحفظك، الله يجزيك خير، الله يبارك فيك؟ من النساء من إذا جيء إليها بطعام وشراب لماذا لم تحضر ذلك النوع الذي رأيناه في الدعاية في البارحة؟ فلا تشكره على ما أحضره وهي عالمة أنه لا يقدر على ما أخبرت به.

قل أن تسمع من النساء شاكرة لزوجها إذا قدم هدية العيد أو ملابس العيد أو الطعام أو الشراب، وكأنها وظيفة لا كرم له فيها ولا خيار، نعم هي واجبة عليه لكن حينما يرى الرجل من المرأة شكرًا، جزاك الله خيرًا، خلف الله عليك بخير، أسأل الله أن يجعل ما أنفقت علينا وعلى أولادنا في موازينك يوم أن تلقى الله، أكرمت وجوهنا، عففتنا عن الحرام، صنتنا عن إراقة وجوهنا، نسأل الله أن يحفظك وأن يبارك فيك، تجد أنه يندفع أكثر، ويحتسب أكثر، ويتلذذ بالأنفاق أكثر، فينبغي للمرأة أن تنتبه إلى هذه المسألة التي هي في غاية الأهمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت