ذَكَر أهلُ السير أن الطفيل بن عامر الدوسي لما سمع بخروج النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته قال لقومه: [لأذهبن إلى مكة، وأنظر خبر هذا الرجل الذي يذكرونه في قريش، فجاءه قومه قالوا: إن هذا الرجل عنده كلام كالسحر، وإن عنده شيئًا أشد من النثر، وإن عنده شيئًا إذا سمعته استجبتَ له؛ لكن عليك -يا أبا عامر - أن تضع الكُرْفُس في أذنك، فمر الطفيل وقد وضع القطن في أذنيه، ولما دنا من مكة قال: عجبًا لي! أما وإني لَمِن أشعر العرب -أنا شاعر- وأعرف رديء الكلام من صحيحه وسقيمه، فلماذا لا أقدم على الرجل، وأسمع من كلامه، فإن كان حقًا قبلتُه، وإن كان باطلًا رددتُه] .
فنحن نقول لك -أيها الشاب، أيها الأخ، أيتها الأخت، أيها الصغير، أيها الكبير- اسمع إلى هذا الكلام، فإن كان خيرًا فاقبله، وإن كان غير ذلك فرده علينا، البضاعة المباعة مردودة، ما نقول: لا تُسترد، لا.
نقول: حياك الله، إذا وجدتَ خطأ رد علينا، إن تسمع منا خيرًا فمن الله ومن كلام الله ورسول الله، وإن تسمع غير ذلك فمن أنفسنا الأمارة بالسوء؛ لكن اسمع حتى لا يلبِّس عليك الشيطان ويقول لك: هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء.
أذكر مرة جلستُ مجلسًا فأخذ رجل من الحضور -أسأل الله له الهداية والتوفيق والسداد والصلاح- يتكلم في مجموعة من الدعاة وأهل الخير، قال: فيهم، وفيهم، وفيهم، وعندهم، وعندهم، فبعد أن أكمل الرَّجُلُ كلامه، قلت له: يا أخي! هل جالستَهم؟! هل سافرتَ معهم؟! هل سَمِعتَ لأحدهم شريطًاَ؟! هل قرأتَ لأحدهم كتابًا؟! قال: لا.
لكن يقولون! من هم الذين يقولون؟! هذا ولدٌ أنْجَبَتْه زوجة إبليس اسمه: (يقولون) فإذا قال لك: يقولون، يعني: يقول ولدُ إبليس، هذه حقيقة الأمر.
أما الرجل فما عنده بينة، وما عنده دليل، وأخبث مِن هذا مَن يقول: إني قرأتُ تحليلًا في مجلة نيوزويك أو مجلة اللوفيقارو الفرنسية، أو مجلة التايمز الأمريكية، أو مجلة التايمز اللندنية، أو مجلة كذا الغربية! يا أخي الحبيب: تسمع أخبار لندن في إخوانك؟! وتسمع أخبار مونت كارلو في إخوانك، وتسمع أخبار اليونايتد برس، والآسيوشيتد برس، تسمعها في إخوانك؟! أما تتقي الله؟! وإخوانك بجوارك، ادخل عليهم، اسمع منهم، اقرأ ما عندهم، انظر ما بين أيديهم، فهل ترى شرًا أم ترى خيرًا؟! ولكن: {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} [غافر:56] .
بعض الناس يرد الحق قبل أن يسمعه أو يتعرف عليه، ولم يقبله لما عُرض عليه؛ ولكن في صدره الكبر، واعلم أن الكبر هو داءٌ أخرج إبليس من الجنة {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص:75] .
الكبر هو الذي أخرج إبليس من الجنة، وأغرق فرعون في البحر، قال تعالى في شأنه وقومه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًَّا} [النمل:14] وتكبرًا وعنادًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إذًا: أيها الحبيب: إن من تلبيس الشيطان عليك أن يردك عن سماع الخير، أن يقولوا لك: إن في الخير خطرًا عليك، وإن في الخير ضررًا عليك، وإن في الخير، ما هو الخطر الذي يأتيك يا أخي الحبيب؟! هل يستطيع أحدٌ من البشر أن يقلل من رزقك الذي كُتب لك وأنت نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، وقد أُمر الملك بكتب رزقك، وأجَلك، وشقائك وسعادتك، هل يستطيع أحدٌ أن يغير من مقادير الله فيك شيئًا؟! واللهِ من قال: إني أخشى أن أتبع الهدى، أو أستقيم مع أهل التقى، أو ألتزم على طريق الهداية، فينقص رزقي نقول له: إن اعتقدتَ هذا كفرتَ؛ لأن من اعتقد أن اتباع الهداية يجر له القلة في الرزق، هذا كفر يخرج من الملة.
أخي الحبيب: إن من تلبيس الشيطان أن يقول لك إن رجال الأمن يراقبون الملتزمين ولكن نقول لك: إن من حق الدولة أن تراقب، ومن حق المسئولين أن يراقبوا؛ لكن يراقبون مَن؟! إنهم لا يراقبونك؛ لكن يراقبون العلمانيين الذين لا يعلنون عن اجتماعاتهم.
هل يومًا ما رأيتم اجتماعًا علنيًا بين العلمانيين يُسمح لسائر الناس أن يحضروه؟! لا.
لا يجتمع العلمانيون إلا سرًا؛ لكن الآن اجتماعنا في أهل الخير، اجتماعنا هنا هل هو سر؟! أم على الباب أحدٌ لا يسمح إلا لصاحب البطاقة؟! الباب مفتوح، والدعوة عامة، يحضرها الصغير والكبير، والعامي والمثقف، والمدرس والتلميذ؛ لأننا ما أتينا بشيء بِدْعٍ من ذوات أنفسنا، وإنما نقول:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفانِ