فهرس الكتاب

الصفحة 1848 من 3155

كم غبنا في ساعات نحن نتقلب في بحبوبة الأمن، ورفاهية العيش، وطمأنينة الصحة، ولذيذ العافية، ورقيق الفراش، وتدفق النعم، أولم يقل صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبونٌ فيما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) فكم من عبد من عباد الله غُبن ليالي طويلة، ضيعها وهو يبصر إلى الأفلام والمسلسلات التي لا تنفعه في قليل ولا كثير، ولا قبيل ولا دبير، بل ربما كانت في موازين سيئاته.

وكم من عبد كان قويًا جلدًا صحيحًا قادرًا على الحج والعمرة، والقيام والصيام، والجهاد والبذل والشفاعة، وقضاء حاجات الناس، فقعد عنها واشتغل بغيرها، وقام ساعيًا حثيثًا إلى أمر قد فُرغ منه، وإلى كتاب قد طُويت صحائفه، وإلى أقلام جف مدادها، قام يريد مزيدًا من المال والمال قد قسم وفرغ منه يوم أن كان جنينًا في بطن أمه كما في الحديث الصحيح: (ثم يُؤمر الملك بكتب أربع كلمات: برزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد) فالواحد يسعى في الرزق، والرزق أمرٌ مفروغٌ منه، إنما عليك أن تسعى ببذل السبب بمقدار ما أمرت به ليكون سببًا؛ محتسبًا في ذلك استجابة أمر الله بقوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15] ولم يُطلب أن نكذب لأجل الرزق، أو نَعُقَ لأجل الرزق، أو نقطع الرحم لأجل الرزق، أو نختلس، أو نغش، أو ننافق، أو نداهن لأجل الرزق، لأن الرزق قد فُرغ منه، فيا لله كم من عبدٍ غُبن في هذا الزمان ساعات، بل أيام، بل أشهر، بل سنوات مضت عليه وكان بوسعه أن يُودعها أعمالًا صالحة، فأودعها غفلات وخطيئات وسيئات ومنكرات، وكم من عبد كان قويًا جلدًا، فلما ضعفت قواه وخارت وعجز عن فعل الصالحات، قال: يا ليتني فعلت كذا يوم كنت قويًا.

ومن غرس البذور وما سقاها تأوه نادمًا يوم الحصادِ

اغتنموا الفرصة، فإن كثيرًا من الناس مغبونون في الصحة، مغبونون في الفراغ، يصرفون العافية في غير ما هي له، يصرف كثير من الناس عافيةً أودعها الله في بدنه في غير ما خُلق لأجله، ومن أعمل شيئًا في غير ما صنع له وفي غير ما خلق له، ربما حصل له خبلٌ أو خلل في عقله ومنهجه.

قال الإمام ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا، ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا عليه، وغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل الصحة والفراغ في طاعة الله، فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، انتهى كلام ابن الجوزي رحمه الله.

اغتنموا الفرصة، فالوقت هو رأس المال، الوقت هو البضاعة بعينها، صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال: سبحان الله وبحمده، غُرست له نخلة في الجنة) حديث حسن أخرجه الترمذي، قال ابن الجوزي في هذا: فكم يُضيع الآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل، وهذه الأيام مثل المزرعة، فهل يجوز للعاقل أن يتوقف عن البذر أو يتوانى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت