الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، فهي سبب أمنكم وعزكم ورفعتكم وسيادتكم، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، عياذًا بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: الإخلاص شأنه عظيم، الإخلاص مكانته من الأعمال جليلة، ولا يُقبل عمل ليس خالصًا لوجه الله تبارك وتعالى، إن الله لم يأمرنا بالعبادة وحدها، بل أمرنا بالعبادة مقرونةً بالإخلاص: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة:5] ينبغي أن يكون الإخلاص قائدنا ومحركنا وباعثنا في كل أمر من الأمور التي نفعلها أو نذرها ونتركها.
ينبغي أن يكون فعلنا للأمور منطلقًا من إخلاصها لوجه الله سبحانه وتعالى، وتركنا واجتنابنا للنواهي والمحرمات إخلاصًا لوجه الله، ومراقبةً الله، وخشية من عقاب الله، لا أن يكون عن عجز وضعف عن نيل ذلك الحرام أو المنكر أو المكروه.
معاشر المؤمنين! يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) فاحذروا -يا عباد الله- أن يخالط أعمالكم شيء من الرياء أو الشرك أو شيء من ابتغاء حظوظ فانية رخيصة عاجلة، ابتغوا ما عند الله فما عند الله خير وأبقى؛ ومن أجل هذا -يا عباد الله- فإن الأعمال ولو كانت قليلة إذا زينها الإخلاص ضاعفها الله بالقبول وبمضاعفة الحسنات حتى يجدها عند الله أعمالًا كالجبال بسبب الإخلاص، وبسبب مراقبة الله سبحانه وتعالى.
ومن أجل هذا تفاوت الناس وتباينت درجاتهم، لماذا رجح إيمان أبي بكر الصديق على إيمان الأمة أجمع، لو وضع إيمان أبي بكر في كفة ووضع إيمان الأمة في كفة لرجح بها إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟ والله ما هو بكثير صلاة ولا صيام فاق به سائر الأمة، لكنه لأمر وقر في قلبه رضي الله عنه، ومن أجل هذا كانت له مكانة عظيمة عند الله وعند نبيه صلى الله عليه وسلم.
يقول الحسن البصري: [الناس هلكى -جمع هالك- إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم] .
لابد أن يستديموا الإخلاص ويلازموه في كل أعمالهم حتى يكون العمل من أوله إلى آخره خالصًا لوجه الله وحده لا شريك له، ثم ماذا بعد ذلك؟ اسألوا الله قبول الأعمال، إننا لنرى في أنفسنا وفي كثير من إخواننا من يأتي إلى الصلاة فينقرها كنقر الغراب، أو يفعل شيئًا من العبادة ويظن أن الأمر قُبل بلا شك ولا محالة.
مسكين هذا الذي يمتن على ربه بعبادته، مسكين هذا الذي يمن على خالقه بصلاته، قِف مع نفسك قليلًا: هل أديت هذا العمل في وقته وعلى نحو ما شرعه الله؟ وهل باعثك إخلاصه لوجه الله؟ ثم قف خاشعًا ذليلًا متضرعًا، واسأل ربك أن يكون العمل قد قُبل؛ فإن المحروم من يعمل أعمالًا يضرب بها وجهه ويلف كما يلف الثوب الخلق.