معاشر العباد! ثم إن في ذلك ومع إثبات وجود الله وخلقه وتدبيره في ذلك تخويف للعباد، في ذلك بيانٌ قريب أن الله لو شاء لجعل خطأ هذه الآية أعظم مما هي عليه، ولا يستطيع العباد أمام هذه الآية فعلًا أو تدبيرًا أو شيئًا، إن الذي جعل القمر ينخسف، أو جعل الشمس تنكسف، لقادرٌ على أن يجعل القمر غائبًا عن الناس آمادًا طويلة، ولقادرٌ على أن يجعل الشمس غائبةً عن العباد مددًا ودهورًا بعيدة.
فالذي أمر الشمس بالكسوف والقمر بالخسوف فهو قادرٌ أن يأمر غيرها من الآيات والكائنات المسخرة بأمره؛ بتغيير ما تكون عليه من حالٍ إلى حال، ولذلك يقول الله جل وعلا: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} [القصص:71 - 72] .
فالله جل وعلا حينما يحدث آية من آياته ينبه العباد على أمرٍ عظيم، والتنبيه بالقليل فيه قدرةٌ على الكثير، وفيه بيانٌ بالكثير، إذ إن الله جل وعلا يوم أن خسف بالقمر، أو كسف بالشمس قادرٌ أن يجعل هذا القمر غائبًا، وقادرٌ على أن يجعل هذه الشمس غائبةً آبادً ومددًا طويلة، وبعد ذلك من يأتينا بليلٍ نسكن فيه، أرأيتم لو أن الشهور والأعوام انقلبت علينا نهارًا جهارًا من يأتينا بليلٍ نسكن فيه؟!.
أرأيتم لو أن الله جعل الدهور والأعوام ليالي مظلمة، من يأتينا بضياء نستضيء به، وما الذي يجعل قدرات البشر الضعيفة، وقدراتهم المحدودة من الكهرباء وغيرها تستطيع أن تؤثر أو تغني ولو أدنى غنى في آية من آيات الله جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قد نبه على ذلك صراحةً، ونبه على غيره من الآيات في مواقع عدة، يقول جل وعلا: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك:30] هذا الماء الذي جعل الله كل حيٍ منه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30] .
هذا الماء الذي منه الحياة بقدرة الله وإرادته لو شاء الله جعله غائرًا فلم نستطع له طلبًا، والله جل وعلا يوم أن سخر هذا الماء وقربه إلينا لتناله وسائلنا المحدودة، وقدراتنا الضعيفة إنما ذلك آية من آيات الله، ولكن أكثر الناس عن آيات الله معرضون.