إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: يا معاشر المؤمنين! اتقوا الله تعالى حق التقوى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102] .
معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:35] ويقول جل شأنه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28] .
أيها الأحبة في الله: لكل متحركٍ في هذا الزمان مادته ووقوده الذي يحركه، فمن رامَ تحريك الطائرات بالأحجار ما تحركت قيد أنملة، ومن رام تحريك السيارات بالرمال ما تحركت خطوة، ومن رامَ تحريك السفن بالأطعمة ما تحركت ميلًا، وكذلك الأبدان لو أراد رجلٌ أن يملأ البطون بالحجر أو بالرمل ما تحركت؛ لأن لها وقودًا ومادةً تحركها، فكذلك القلوب، لها مادةٌ لا تتحرك إلا بها؛ فإن وجدت تلك المادة تحركت هذه القلوب يقظةً وإنابةً وخوفًا وخشيةً ومراقبةً واستجابةً لأمر الله، وهي الملوك على الجوارح، فتكسب تلك الجوارح خضوعًا وطاعةً وامتثالًا لأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا غذيت القلوب أو رامَ عبدٌ سقي قلبه بغير المادة التي يحيا بها القلب لم يفد ذلك الطعام، أو لم تزد تلك المادة القلب إلا خمودًا ومرضًا وموتًا وهلاكًا.
إن حياة القلوب ليست بالطعام، وليست بالشراب، وليست بالقيل والقال، وليست كما يظن بعض المنحرفين في هذا الزمان بالغناء والموسيقى بأنواعها الصاخبة والراقصة والهادئة، وإنما حياة القلوب ذكر الله جل وعلا، الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28] .
حياة القلوب، أن تذكر في ملأ الله الأعلى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152] حياة القلوب أن تغشاها الملائكة، أن تحفها الملائكة، أن تغشاها السكينة، أن تتنزل عليها الرحمة (ما جلس قومٌ مجلسًا يذكرون الله فيه، إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم السكينة، ونزلت عليهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) حياة القلوب ذكر الله جل وعلا، أن يلهج اللسان بالذكر، وأن يستحضر القلب هذه المعاني، فلا تسل بعد ذلك عن إشراقة الوجه، وطمأنينة القلب، وهدوء البال، ولذة الحياة؛ لأن العبد بهذا يوافق مخلوقات الله في توجهها إلى الله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء:44] .
أيها الأحبة في الله: ربما وقفنا موقفًا رأينا رجلًا يسمى: (بلبل) -يعني يتحدث بلغاتٍ عديدة- يجيد لغة الألمان والإنجليز والروس وغيرهم، فنعجب به وننظر إليه، وتشتد غبطتنا له؛ فيما استطاع لسانه أن يجمع من ألوان مفردات هذه اللغة، ومعانيها وجملها وتراكيبها، لكن ما أقل ما غبطنا الذاكرين، إن الغبطة كل الغبطة أن تغبط ذاكرًا لله في كل أحواله، أن تغبط عبدًا يلهج لسانه بذكر الله جل وعلا، ولا يعني ذلك أن نحتقر من وجدناه يجيد لغاتٍ شتى، فذلك علم، وذلك فهم، وتلك منحة، ولكن غبطتنا بمن اشتغل لسانه بذكر الله، ينبغي أن تكون أضعاف أضعاف ما نحن عليه، يوم أن نغبط متحدثًا بمعلوماتٍ سياسيةٍ أو اقتصادية، أو مفرداتٍ لغوية، من لغاتِ شتى، فما هو الذكر يا عباد الله؟