فيا عباد الله: استعدوا للقاء الله، وبادروا بالتوبة، وبادروا بالخضوع والإنابة، إنما هذه الدنيا متاع قليل: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [الروم:55] والله إن هذه الدنيا بما فيها من ملذاتٍ وشهواتٍ ومراكب وقصورٍ ودور، وضيعات وزوجاتٍ وجنات وأموالٍ وذريات، لا تعدل غمسة في نار جهنم، وإن الشقاء في هذه الدنيا بما فيه من الفقر والمرض والسقم والذلة وضيق الحال لا يساوي غمسة في نعيم الجنة.
(يوم القيامة يؤتى بأحسن أهل الدنيا حالًا وأيسرهم عيشًا، ثم يغمس غمسةً -وهي أقل من اللحظة، أو أقل جزءٍ من أجزاء اللحظة- في النار، فيقال: يا بن آدم! هل رأيت نعيمًا قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا يا ربِّ، ما مر بي نعيمٌ قط، ويؤتى بأشد أهل الدنيا بؤسًا وفقرًا ومرضًا فيغمس غمسة واحدةً في الجنة، يقال: يا بن آدم! هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شقاءٌ قط؟ فيقول: يا ربِّ! ما مر بي شقاء وما مر بي بؤس) .
فلنعد لذلك اليوم وهو يومٌ لا بد أن نرده على صراطٍ أدق من الشعرة وأحد من السيف، الناس يمضون عليه على قدر أعمالهم، وكلاليب جهنم عن يمينه وعن يساره، فمن المؤمنين الذين يسعون ونورهم بين أيديهم مد أبصارهم كالبرق الخاطف، ومن المؤمنين من يمرون كأجاود الخيل، ومنهم من يمره كأسرع الناس عدوًا، ومنهم من يحبو على الصراط حبوًا، ومنهم من يمضي عليه فتدركه كلاليب جهنم، أدركته أعماله السيئة وتفريطه في حقه، وتضييعه وتقصيره في جنب الله وطاعته.