ومن عجائب تأثر هؤلاء بانشغالات لا تليق، أن واحدًا كان مغرمًا بلعبة البلوت التي استهلكت وقته، فكان العدد ذات يوم لم يكتمل بعد، الرباعية المخصصة المنتخبة للعبة لم تكتمل، فكان أن كمل العدد وهو ماهر خريت، ذو سهم صائب في لعب الورق، ولكنه يعتبر موظفًا صغيرًا عند هذا المدير الكبير، فأخذوا يلعبون، وحمي اللعب، وحمي الوطيس، وعلت الأنفاس، واشرأبت الأعناق واللعب ساخن، إذا بالمدير يغلط وينزل ورقة، كان الواجب أن ينزل ورقة حاسمة كاسبة لو أنه أنزلها، فقال له الموظف الصغير: يا بقرة! معك ولد كذا وما تنزله، بهذه العبارة! قال: عجيب بهذه السهولة، المدير يصبح بقرة في مقابل ورقة! انتهينا من هذه اللعبة.
نعم.
جرأة، لأنها لعبة أدمنوها وأشغلتهم، تابعوها بلا مهمة ولا غاية ولا نتيجة، قادت بعضهم إلى أن سب وشتم بعضًا، وأعاد بعضهم القول السيئ على الآخر.
فيا أحبابنا: لماذا لا نشتغل بالغاية التي من أجلها خلقنا؟ إن مقادير الأخطار التي تحيط بالأمة، وإن قصر العمر المكدر بالأمراض والأسقام والأخطار، وإن هذه الحياة الفانية التافهة، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه مسلم في وصف الجنة: (والله ما الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع) إن قطرة علقت بيدك يوم أن أدخلت أناملك في البحر، هذه القطرة هي الدنيا، والآخرة هي البحر المتلاطم، كم في البحر وكم في المحيط من قطرة؟! أنضيع الآخرة بسهرة؟ أنضيع الآخرة بأغنية؟ أنضيع الآخرة بلذة فانية زائلة؟ أنضيع الآخرة بهوى وصورة مشوهة محرمة؟ أنضيع الآخرة بلهو وعبث وباطل؟
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد فلقد عرضت بأيسر الأثمان
الجنة معروضة، وأبوابها مشرعة، وداعي الرحمة والتوبة والهدى يصيح صباح مساء: حيَّ على الفلاح مجانًا وبلا مقابل، ومن دنا دنا الله منه، ومن أقبل أقبل الله عليه، ومن تقرب إلى الله شبرًا تقرب الله إليه ذراعا، ومن أتى ربه يمشي أتاه ربه هرولة، ومع ذلك تجد إعراضًا وجفاءً من كثير من الشباب والشابات، أفلا تحبون الله؟! أفلا تحبون رسول الله؟! بلى والله، نحب ربنا ونبينا وديننا وكتاب ربنا، ولكنها محبة ناقصة، محبة ما تحكمت:
جهد الصبابة أن تكون كما أرى عين مسهدة وقلب يخفق
المحبة الحقيقية للدين والإله والرسول أن يكون هواك للدين، همك للدين، اشتغالك بالدين، ميلك للدين، أخبار تتعلق بالدين تجعلك تفرح أو تبقى حزينًا تجاه ما يبشر أو ما يكدر.