علمت علم اليقين بحادثة دامية، وحادثة هي التي جعلتني أكتب هذه الخطبة، وهي أن خادمة -وهي كافرة- كانت تلقى معاملة سيئة، والأصل أنه لا يجوز استخدام الكافر والكافرة، وكلكم يعلم هذا، وتردد هذا كثيرًا في الندوات والخطب والمحاضرات.
استقدم خادمة كافرة، وكانت تلقى قسوة في المعاملة من صاحبة المنزل فيما يبدو ذلك، فلما قرب أو بقي مدة لا بأس بها على ذهابها إلى بلادها وتسفيرها وخروجها ماذا فعلت؟ في حين غفلة من أهل المنزل، وفي حين عدم وجود صاحب المنزل، والأم في غفلة عظيمة عن أولادها وأطفالها، أسأل الله أن يجبر مصيبتها فيما حل بها، أمسكت تلك الخادمة الخبيثة بالطفلة الصغيرة فذهبت بها إلى دورة المياه ووضعتها في مكان يسمى البانيو، فلما وضعتها أخذت شيئًا حادًا أشبه ما يكون بالشاطور فضربت به بين مفصل رقبتها وكتفها ضربات متعددة حتى أزهقت روحها، وجعلت دماءها تطيش في هذا الحوض داخل دورة المياه، ثم اتجهت إلى أخيها الصغير وأرادت أن تنتقم منه وطعنته طعنات متعددة فسمعت الأم بسبب صراخ طفلها، فجاءت لتنظر ما الخبر، وإذ بها ترى طفلة تتشحط في دمائها، وطفلًا قد طعن طعنات في زند يده، فأخذت تدافع وهمت الخادمة بقتل الأم -أيضًا- ثم تعاركت معها في عراك شديد، فأعان الله الأم عليها ودفعت بها في مكان وأقفلت عليها، واتصلت بزوجها ودعت سلطات الأمن والشرطة للتحقيق في ذلك، ولما حقق معها ماذا قالت؟ قالت: كنت أريد أن أنتقم من أفراد المنزل كلهم جميعًا، أريد أن أقتلهم جميعًا.
هذا ما صرحت به ونطقته في هذا التحقيق الذي علمته علم اليقين ولا أقوله نقلًا عن فلان أو علان، إنها لحادثة مؤلمة، إنها لحادثة تجعل الإنسان يسأل الله جل وعلا ألا يحيجه إلى هؤلاء الخدم والخادمات، وأن يستغني بما آتاه الله جل وعلا عنهن أيًا كانت الظروف، وأيًا كانت الأسباب والمسببات، ولكن إذا كان لا بد للإنسان منهن؛ فليتق الله في المعاملة، وليحرص على عدم استقدام الكافرة التي لا دين لها يردعها، ولا عقيدة في قلبها تمنعها، ولا تعرف إلا الانتحار حين تفعل ما دار بخلدها، وحينما تطبق ما تريد أن تفعله في أهل الأسرة انتقامًا منهم، الكافرة لا دين لها، الكافرة لا عقيدة لها فكيف نرضى أن نجعلها في بيتنا؛ نأكل من طبخ يديها، أو نشرب من إعداد يديها، أو نرضى أن تمس أطفالنا أو تمس عوراتهم؟ هذا والله بلاء عظيم! وهذا قد يدخل في ضعف الولاء والبراء، وضعف الموالاة والمعاداة في الله.
لا ينبغي لأحد أن يستقدم الكافر والكافرة أيًا كانت الظروف ما دام يجد عن ذلك بديلًا ولغيره سبيلًا، لا بد أن يمتنع وينتهي أقوام عن وجود الخادمات الكافرات في بيوتهم، وعليهم أن يتوبوا إلى الله، وأن يبادروا بتسفيرهن وإخراجهن أيًا كانت الخسارة، بضعة آلاف لا تتجاوز الأربعة أو الخمسة في سبيل بقاء الأسرة على مستوى من صفاء العقيدة ونقاء الدين.
أما المسلمة التي يستقدمها الإنسان في حاجة إليها فعليه أن يراعي ما ذكرنا ذلك كله.
وإن من البلاء: أن بعض المسلمين -هداهم الله- يهين الخادمة إهانة عظيمة، فتجده يمرح ويضحك مع أصدقائه وزملائه ثم يصيح للخادمة بأعلى صوته أن تحضر له الشاي والقهوة، فتأتي هذه المسكينة تمشي على استحياء وتدخل والنظرات تأكلها من مفرق رأسها إلى أخمص قدمها، تنظرها العيون مقبلة مدبرة، وتدخل على الرجال لكي تضع ما بيدها من شاي أو غير ذلك.
أما يتقي الله ذلك الذي استقدمها كيف يرضى أن تدخل بين الرجال؟ ما دمنا قد غضضنا النظر مع شعور الإنسان بالخطأ وشيء من الإثم والمخاطرة في استقدامها بدون محرم لها، فما الحال في دخولها على الأجانب، وما الحال في تعويدها على الدخول على الرجال، إما أن تقدم شيئًا أو تخرج شيئًا، هذا غلط عظيم وشر جسيم، وبلاء قد عم كثيرًا من المسلمين وأخذوا يتهاونون به.
عباد الله: اتقوا الله في معاملة أولئك الضعفاء الذين اضطرتهم الحاجة إلى المال وإلى لقمة العيش إلى السفر، وخلفوا أطفالًا صغارًا وعجائز كبارًا، خلفوا كل ذلك لكي يأتوا بقليل من المال، فما بال بعضنا يفتن الواحدة في عرضها وفي دينها، ويكسر حجاب حيائها وحشمتها في إدخالها أمام الزوار في المجالس ذاهبة آيبة، أو بأمرها أن تخرج إلى السوق أو الدكان لتحضر له شيئًا مما يريد، وهذا ينافي تعاليم الإسلام وآدابه، وإن من فعل ذلك لعلى خطر عظيم.
أما تخشى الله جل وعلا الذي أعزك في بلاد عز وأكرمك في أرض كرامة، وآتاك من المال والجاه والمتاع، وجعل أولئك يبتلون في مالهم وأنفسهم فاضطروا أن يهاجروا رجالًا ونساءً ليخدموك؟ أما تخشى الله أن يزيل الدولة وأن يغير الأيام {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140] ؟ أما تخشى الله الذي جعلك غنيًا وجعلها فقيرة أن يجعلك فقيرًا ويجعلها غنية؟ اتق الله في هذه المسكينة التي في يدك، إذا كنت في غير حاجة لها فاحرص ما استطعت أن تستغني عنها، وأن تبقى سعيدًا في بيتك مع أولادك لعدم وجود من يكدر صفو هذه الخلوة مع زوجتك وأولادك، فإذا كان لا بد منها لحاجة لا مفر منها فعليك أن تتقي الله فيها.
لا تخرجها في سيارتك حاسرة الوجه والرأس، ولا تتحدث معها، ولا تجعلها تدخل عليك، واجعل وسيلة الاتصال بها زوجتك، ولا تخرجها إلى السوق لكي تحضر شيئًا من الحاجيات من الدكان أو غيره، وإذا رأيت ما تكره كذلك فازجرها وانهرها، وإن رأيتها متهاونة في لباس فازجرها ومرها بلباس حشمة، فإن ذلك أتقى لك ولها، وأقوم لأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر.
ولا تحملها من العمل ما لا تطيق، وعلم زوجتك أن تحسن معاملتها؛ فإنك إن أسأت المعاملة وظننت أنها مسكينة ضعيفة لا تملك أحدًا تشكو إليه الحال إلا إلى ربها، فإنك بذلك قد تجني هذه النتيجة في أولادك وفي زوجتك والعياذ بالله.
نسأل الله جل وعلا ألا يعرضنا للفتنة والبلاء، وأن يحفظنا بالإسلام قائمين قاعدين، اللهم احفظنا بحفظك، اللهم اكلأنا بعنايتك، اللهم احرسنا بعنايتك يا رب العالمين! معاشر المؤمنين: اتقوا الله في هذا الأمر كثيرًا، وأمروا من تعرفونهم يتهاونون في ذلك، ومن المؤسف المخزي -أيضًا- أن بعضهم لا يصرف لها رواتبها، ولا يعطيها حقوقها، ولا يكرمها بما يكرم به أهله، والواجب على الإنسان الذي اضطر إليها أن إذا أتى بشيء من الملابس أو غير ذلك أن يشتري ولو حاجة بسيطة يدفعها لزوجته تقدمه إليها تطييبًا لخاطرها، وإشعارًا لها بخاطر الرحمة والرأفة والشفقة والمودة من إخوانها المسلمين، لكي تعود وهي تعلم أن في بلاد الإسلام مسلمين على حق، ومسلمين بحق، مسلمين يخشون الله حق خشيته فيما ولاهم الله وفيمن كانوا دونهم من الخدم والحشم وغير ذلك.
فاتقوا لله -يا عباد الله- خاصة فيما يتعلق بالمعاملة، فإن هذه الحادثة الدامية التي سمعتم بها ليست أولى ولا أخيرة، ولقد سمعنا كثيرًا وكثيرًا لكن كثيرًا ما نسمعه بالنقل وعن وعن وعن، أما هذه فعلمته من مصدر أشبه ما يكون مباشرًا في مباشرة الأمر وتحقيقه.
إذًا: -يا عباد الله- اتقوا الله تعالى في هذه المعاملة، واحرصوا ألا تجعلوا الخادمة تتولى أمر الأطفال خاصة في نظافتهم ومباشرة عوراتهم وفروجهم؛ لأن ذلك قد يعودهم في المستقبل على أمور سيئة لا تحمد عقباها.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءً، وأراد ولاة أمرنا بفتنة، وأراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بشبابنا ضلالًا، وأرد بنسائنا تبرجًا وسفورًا، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه يومًا أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف.
لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم.
اللهم يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، اللهم يا من بيده ملكوت كل شيء، اللهم يا رب السماوات والأرض، اللهم يا من بيده الملكوت، يا ذا العزة والجبروت، اللهم أرنا عجائب قدرتك في الفرس الإيرانيين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أحصهم عددًا، وأهلكهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا، اللهم أهلك زروعهم وضروعهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل زوالهم وفناءهم، اللهم أرنا فيهم شر ما تجزي به ظالمًا في ظلمه، وطاغيًا في طغيانه، ومتجبرًا في تجبره، وفاسقًا في فسقه، وكافرًا في كفره، وملحدًا في إلحاده، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم اردد كيدهم في نحورهم، اللهم اضرب بعضهم ببعض، اللهم اجعلهم أحزابًا وطوائف شتى، اللهم اضرب بعضهم ببعض، اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين آمنين بقدرتك يا رب العالمين! اللهم لا تدع لأحدنا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا باغيًا إلا قطعته، ولا غائبًا إلا رددته، ولا أيمًا إلى زوجته، ولا أسيرًا إلا فككت أسره، ولا عقيمًا إلا ذرية صالحة وهبته، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لنا ولوالدينا، واجزهم عنا خير الجزاء، اللهم اغفر لنا ولموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه، اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه.
اللهم اختم بالشهادة والسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى الجنة مصيرنا ومآلنا، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم إنا نسألك توبة قبل الموت، وراحة عند الموت، ونعيمًا في القبور بعد الموت.
اللهم انصر إمام المسلمين، اللهم أعز إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلح إخوانه وأعوانه، اللهم اجعلهم