إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله للخلائق أجمعين وللمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:18] .
عباد الله: إنه كلما ابتعد المسلمون عن السنة، فإن البدع تقترب منهم بحسب ما ابتعدوا به عن دينهم، وما تركوا أمرًا حسنًا إلا وحل محله أمر قبيح، وهكذا النفوس إن لم تنشغل بالطاعات انشغلت بالمعاصي.
وإن من سيئ الأفكار الخبيثة السامة التي حلت في قلوب بعض المسلمين المغترين ببريق الحضارة، دون معرفة لحقيقة خوائها الروحي، وما تنطوي عليه من ألوان الدمار الاجتماعي والاقتصادي والتسلط السياسي، تلك هي فكرة تقسيم أمور الشريعة وأحكامها إلى قشورٍ ولباب، ومظاهر وحقائق، وتراهم يبنون على هذا تهاونهم بترك بعض أوامر الشريعة وتساهلهم بها، بحجة أن الأهم والأعظم أكبر من هذا، وقضية الدين هي العقيدة والإيمان الذي هو في القلب، ولو جادلت شخصًا منهم بالتي هي أحسن لأجلب عليك بخيله ورجله بأحاديث يفهمها فهمًا سقيمًا، ويضعها في غير موضعها، فيقول لك: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم) ويقول: التقوى هاهنا، ويشير بيده إلى صدره، وقد تراه متهاونًا بأوامر الشريعة، تاركًا للصلاة مع الجماعة، حليقًا مسبلًا، مجاملًا في أمر دينه، ولو دار بينك وبينه نقاش، وأقمت عليه الحجة بوجوب المتابعة لكتاب الله وسنة رسوله، بالأصول والفروع، بالدقيق والجليل، في العقائد والأحكام؛ لانفض النقاش بينك وبينه، متهمًا لك بالقشورية والسطحية، وعدم الغور في أصول الشريعة، أو إدراك مقاصدها، وهكذا تنقض عرى الإسلام وأحكامه عروةً عروة.
وأولئك الجهلة يرددون كالببغاوات حججًا واهية، وأفكارًا سقيمة، استوردوها من أعدائهم جهلًا وغفلة، وصدَّرها الأعداء حقدًا ومكيدة، فلو قلت لأحدهم: صلِّ مع جماعة المسلمين، وإياك ومعاملة الربا، وفِّر لحيتك، أو افعل كذا وكذا من أمور الدين، أو أنكرت عليه صورًا وتماثيل مجسمة في بيته، أو حذرته من سماع الأغاني الماجنة، أو نهيته عن شرب الدخان، وأمرته بالاهتمام بأسرته، والحياء والستر وعدم التبرج بالنسبة لهم، وترك مجالسة رفقاء السوء تراه وهو غارقٌ في كل هذه المعاصي والمنكرات، يرد عليك بكل جرأة قائلًا: لا تكن متشددًا، لا تكن معقدًا، أو لا تكن سطحيًا، الأمر أهم من ذلك، والقضية قضية عقيدةٍ وإيمان إلخ هذا الكلام الذي يردده ولا يفهمه، ولا طائل تحته سوى البوار والخسران المبين.
والأدهى والأمر من ذلك كله أن تراه راضٍ عن نفسه، فيجعلها في عداد الملتزمين الصالحين رغم تلك المنكرات التي يرتكبها، ويزيده ضلالًا ووبالًا أنه يشعر بالرضا عن نفسه؛ لأنه يقارن نفسه بأولئك الذين يسرقون ويزنون ويرتشون، فيرى نفسه أحسن حالًا منهم، وقد نسي المسكين أنهم إنما وقعوا في تلك الكبائر والفواحش يوم أن تهاونوا بوقوعهم في المنكرات الصغيرة، ثم تلتها المعاصي والكبائر التي هو غارقٌ في لججها، غافلٌ عن خطرها على نفسه وذريته وماله.