في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري بسنده عن أبيّ بن كعب (أن الخضر قال: يا موسى! أنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه أنا) وفي هذا فوائد: الأولى: أن موسى لما قابل الخضر وقف موقف المتأدب، وموقف السائل الذي يلتمس النفع والعلم، بقوله: هل اتبعك؟ ولم يقل: أريد اتباعك أو لا بد من اتباعي إياك لكي أتعلم؛ فإنما عرض الأمر عليه بصيغة العرض لا بصيغة الأمر.
وفي هذا فائدة عظيمة لكل طلبة العلم حينما يبذلون سؤالًا أو يوجهون اقتراحًا، أو يديرون كلامًا، فعليهم أن يتأدبوا مع مشايخهم، وأن يسلكوا عبارة مناسبة وأسلوبًا لطيفًا؛ لأن الإنسان يخاطب من هو أعلم منه، وله في نبي الله موسى عليه السلام أسوة وقدوة، وهو نبيٌ قد آتاه الله الوحي والمعجزة، ومع ذلك يقول لمن هو أعلم منه {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف:66] .
فأين كثيرٌ من طلبة العلم عن أدب سؤال العلماء؟ وأين الذين حينما يسمعون عالمًا من العلماء يتكلم جابهوه وصدوا كلامه وعارضوه بقولهم: ولكن فلانًا يقول غير كلامك، ولكن فلانًا يخالفك، ولكن فلانًا يقول مالا تقول؟! بدون أدنى عبارة يكون فيها تلطف! أو يكون فيها أدب الكلام مع العلماء! فما بالكم أيضًا مع من لا يحترمون مجالس العلم، فيجلس أي جلسة لا تليق بمجلسه الذي هو فيه، كأن يمد رجله أمام شيخه، وقد جاء في حديث جبريل المشهور الذي رواه أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوسٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام) ففي هذا الحديث فيه أن جبريل عليه السلام جاء يسأل نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بيان وفيه هيئة طالب العلم وصفة جلسته أمام مشايخه وعلمائه، فالتفتوا لذلك وتنبهوا إليه يا عباد الله.