الأمر الثاني: الرد على النصارى، وتأكيد أن عيسى المسيح إنما هو ابن مريم وولدها، وليس ابن الله ولا ولده، كما يدعي النصارى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإثبات أن ولادة مريم لعيسى، دون أن يمسها بشر، أمر اقتضته حكمة الخالق البالغة، ونفذته قدرته الباهرة، التي لا يحدها حد ولا يقيدها قيد، وذلك قوله تعالى على لسان مريم نفسها {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .
وسيأتي في الربع المقبل ما يوضح أن ولادة عيسى بهذه الطريقة ليس فيها ما يدعو إلى أي استغراب، فقد سبقتها سابقة أخرى أقدم وأروع وأعجب، وقد سلم بها الجميع، ولم يستغربها أحد من الناس، ألا وهي خلق آدم أب البشر، الذي خلقه الله دون أم ولا أب، فميلاد عيسى بن مريم من أم دون أب يعتبر أقل غرابة، وأبعد عن إثارة الدهشة بالنسبة إلى خلق آدم، وذلك قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
وهكذا يقف القرآن الكريم موقف الصدق والحق يرد لمريم العذراء اعتبارها، ويدفع عن عيسى بن مريم ما ألصقته به الخرافات والأساطير، فيغسل العار الذي ألحقه اليهود بمريم، ويرفع الوهم الذي ألحقه النصارى بعيسى ابن مريم، والظلم الذي ألحقوه بمقام العلي الأعلى، إذ جعلوا له الشريك والولد، وهو سبحانه {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} . انتهى انتهى {التيسير في أحاديث التفسير، للشيخ/ محمد المكي الناصري. 1/} ...