فصل
قال الفخر:
أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من جملة شبههم أن قالوا: يا محمد، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى، فقال: إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابناً لله تعالى، فكذا القول فِي عيسى عليه السلام، هذا حاصل الكلام، وأيضاً إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم؟ بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع فِي رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس، هذا تلخيص الكلام. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 66}
[فائدة]
قال القرطبي:
قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} دليل على صحة القياس.
والتشبيه واقع على أن عيسى خُلِقَ من غير أبٍ كآدم، لا على أنه خلق من تراب.
والشيء قد يشبه بالشيء وإن كان بينهما فرق كبير بعد أن يجتمعا فِي وصف واحد؛ فإن آدم خُلِقَ من تراب ولم يُخلق عيسى من تراب فكان بينهما فرق من هذه الجهة، ولكن شبه ما بينهما أنهما خلقهما من غير أبٍ؛ ولأن أصلِ خلقتهما كان من تراب لأنّ آدم لم يخلق من نفس التراب، ولكنه جعل التراب طيناً ثم جعله صلصالاً ثم خلقه منه، فكذلك عيسى حوّله من حال إلى حال، ثم جعله بشراً من غير أبٍ. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 4 صـ 102 - 103}