قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64)
قال محمد بن جعفر والحسن والسدّي: عنى بأهل الكتاب هاهنا
نصارى نجران، وقال قتادة والربيع: عنىِ يهود المدينة.
وقيل: عنى الفريقين، لقوله فِي ذمهما: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)
و (سَوَاءٍ) وسوى: وسط، ويعني به العدل.
وقول الربيع وأبي العالية (كَلِمَةٍ سَوَاءٍ)
هي لا إله إلا الله، فصحيح، لأن أبلغ العدالة التوحيد، وهي
الكلمة التي يجب أن يتساوى الناس فيها، وفي أن يكونوا
عابدين غير معبودين، بخلاف ما ادعته النصارى، ونبه بقوله:
لا نشرك أن قولهم يقتضى الشرك، وإن كانوا منكرين أنهم
مشركون، وموضع (أَلَّا نَعْبُدَ) خفض بدل من كلمةِ، أو رفع
على أنه خبر ابتداء مضمر، كأنه قيل: وهي ألا نعبد، ولو
رُفع سواء، نحو قوله (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) جاز
وكذلك يجوز رفع (أَلَّا نَعْبُدَ) على معنى: أنه لا نعبد.
وقال بعض الصوفية: نبهّنا الله تعالى بهذه الآية على طريق
التعبد، وأن لا نقصد بسرنا سواه عند عبادته، ولا نفزع فِي شيء
من الحاجات إلى غيره، فنكون كمن وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم -"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم".
إن قيل: فأي حجة فِي قوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا) قيل: إنه تعالى أدبنا بأن المعاند متى لزمته الحجة وبانت له المحجة فليس إلا التقضي منه وترك
محجته وملاحاته.