وهذا إخبار من الله عز وجل عمَّنْ أدَّى أمانته إلى من ائتمنه عليها اتقاءَ الله ومراقبتَه، عنده. فقال جل ثناؤه: ليس الأمر كما يقول هؤلاء الكاذبون على الله من اليهود، من أنه ليس عليهم فِي أموَال الأميين حرج ولا إثم، ثمّ قال: بلى، ولكن من أوفى بعهده واتقى - يعني: ولكن الذي أوفى بعهده، وذلك وصيته إياهم التي أوصاهم بها فِي التوراة، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به.
و"الهاء"فِي قوله:"من أوفى بعهده"، عائدة على اسم"الله"فِي قوله:"ويقولون على الله الكذب".
يقول: بلى من أوفى بعهد الله الذي عاهده فِي كتابه، فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وصَدّق به وبما جاء به من الله، من أداء الأمانة إلى من ائتمنه عليها، وغير ذلك من أمر الله ونهيه"واتقى"، يقول: واتقى ما نهاه الله عنه من الكفر به، وسائر معاصيه التي حرّمها عليه، فاجتنبَ ذلك مراقبةَ وعيد الله وخوفَ عقابه"فإنّ الله يحبّ المتقين"، يعني: فإن الله يحب الذين يتقونه فيخافون عقابه ويحذرون عذابه، فيجتنبون ما نهاهم عنه وحرّمه عليهم، ويطيعونه فيما أمرهم به.
وقد روى عن ابن عباس أنه كان يقول: هو اتقاء الشرك. انتهى انتهى. {تفسير الطبري حـ 6 صـ 525 - 526} . بتصرف يسير.
قال ابن عطية:
{بلى} أي عليهم سبيل وحجة وتبعة، ثم أخبر على جهة الشرط أن {من أوفى} بالعهد {واتقى} عقوبة الله فِي نقضه، فإنه محبوب عند الله، وتقول العرب: وفى بالعهد، وأوفى به بمعنى، وأوفى، هي لغة الحجاز وفسر الطبري وغيره، على أن الضمير فِي قوله {بعهده} عائد على الله تعالى، وقال بعض المفسرين: هو عائد على {من} .