[من روائع الأبحاث]
قال السُّرَّمَرِّي:
وأما قوله في عيسى - عليه السلام: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ ... (49) } [آل عمران: 48 - 51]
قلنا: هذه معجزات عظيمة, وآيات كريمة, ومرتبة جسيمة, ولنبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - مثلها وأعظم, وزاد عليها في الفضل وتمّم, فإن الله تعالى أنزل على محمّد - صلى الله عليه وسلم - كتاباً مصَدِّقاً لما جاء به موسى, ومقرِّراً لما أنزل على عيسى, وشاهداً للنبيّين بالصّدق والنّبوة, ولولا كتابه لما ظهرت لنا لنبوتهم قوّة, فكتابه فيه ما في كتبهم وزيادة, ولِصدْقهم فيما ادعوه أكبر شهادة, ونسَخ الله تعالى به من شرائع مَن قبله ما شاء, وأحلّ ما شاء, وحرّم ما شاء, ورفع (فيه) عن أمّته ما كان من الآصار والأغلال على من قبلهم, وجَمع فيه نَبَأ ما كان وما يكون, وجعله يُحفظ ويتلى بخلاف غيره من الكتب المنزلة فإنها كانت تكتب في الصحف ولا تحفظ في الصدور, وتكفّل الله تعالى بحفظ هذا الكتاب بنفسه فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر: 9]
فكتاب محمد - صلى الله عليه وسلم - القرآن أعظم معجزاته, فليس لنبيّ معجزة مثله, وقد تحدّى الله - عز وجل - به الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فلم يقدروا, وعلى سورة من مثله فلم يستطيعوا, فهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد, لا تفنى عجائبه, ولا يَخلقُ على كثرة الرّدّ, فهو معجزة قائمة إلى يوم القيامة, كل نبيّ انقضت معجزته بموته ومعجزة محمّد - صلى الله عليه وسلم - قائمة إلى يوم الدين, شاهدة بمعجزة مَن قبله, ولولا ذلك لم يمكن أحداً من أهل الأديان إقامة دليل على نبوّةٍ ولا معجزة لتبديل الكتب وانقطاع السَّند الصحيح لمن قبل هذه الأمّة, فرسالة محمّد - صلى الله عليه وسلم - كما ذكرها الله تعالى رحمة للعالمين؛ وأما الحكمة فكان كلام محمّد - صلى الله عليه وسلم - كلّه حِكَم حتى ما يفاوض به الأطفال