قال - رحمه الله:
{إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}
أَقُولُ: لَمَّا بَيَّنَ - سُبْحَانَهُ - وَتَعَالَى أَنَّ مَحَبَّتَهُ مَنُوطَةٌ بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ صَادِقًا
فِي دَعْوَى حُبِّهِ لِلَّهِ، وَجَدِيرًا بِأَنْ يَكُونَ مَحْبُوبًا مِنْهُ - جَلَّ عُلَاهُ -، أَتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَ مَنْ أَحَبَّهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الرُّسُلَ الَّذِينَ يُبَيِّنُونَ طَرِيقَ مَحَبَّتِهِ، وَهِيَ الْإِيمَانُ بِهِ مَعَ طَاعَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ أَيِ اخْتَارَهُمْ وَجَعَلَهُمْ صَفْوَةَ الْعَالَمِينَ وَخِيَارَهُمْ بِجَعْلِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فِيهِمْ، فَآدَمُ أَوَّلُ الْبَشَرِ ارْتِقَاءً إِلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَإِنَّهُ بَعْدَمَا تَنَقَّلَ فِي الْأَطْوَارِ إِلَى مَرْتَبَةِ التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ اصْطَفَاهُ - تَعَالَى - وَاجْتَبَاهُ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ طه: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [20: 122] فَكَانَ هَادِيًا مَهْدِيًّا، وَكَانَ فِي ذُرِّيَّتِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ مَنْ شَاءَ اللهُ - تَعَالَى -، وَأَمَّا نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَدْ حَدَثَ عَلَى عَهْدِهِ ذَلِكَ الطُّوفَانُ الْعَظِيمُ فَانْقَرَضَ مِنَ السَّلَائِلِ الْبَشَرِيَّةِ مَنِ انْقَرَضَ وَنَجَا هُوَ وَأَهْلُهُ فِي الْفُلْكِ، فَكَانَ بِذَلِكَ أَبًا ثَانِيًا لِلْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنَ الْبَشَرِ، وَكَانَ هُوَ نَبِيًّا مُرْسَلًا وَجَاءَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَانْتَشَرَتْ وَفَشَتْ فِيهِمُ الْوَثَنِيَّةُ حَتَّى ظَهَرَ فِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا مُرْسَلًا وَخَلِيلًا مُصْطَفًى، وَتَتَابَعَ النَّبِيُّونَ وَالْمُرْسَلُونَ مِنْ آلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَكَانَ أَرْفَعُهُمْ قَدْرًا وَأَنْبَهُهُمْ ذِكْرًا آلُ عِمْرَانَ قَبْلَ أَنْ