قال - رحمه الله:
{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}
وهذه كلها صفات للذين اتقوا الله، وأعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، والأزواج المطهرة، ورضوان من الله أكبر، وهم صابرون وصادقون وقانتون ومنفقون فِي سبيل الله، ومستغفرون بالأسحار.
وصابرون على ماذا؟ إنهم صابرون على تنفيذ تكاليف الله، لأننا أول ما نسمع عن التكليف فلنعلم أن فيه كلفة ومشقة, والتكاليف الشرعية فيها مشقة لأنها قيدت حرية العبد.
لقد خلقك الحق خلقا صالحا لأن تفعل كذا أو لا تفعل. فساعة يقول لك: افعل .. فإنه قد سد عليك باب"لا تفعل"وساعة يقول لك الحق: لا تفعل فإنه يكون قد سد عليك باب"افعل"، وهكذا يكون تقييد حركتك وتقييد المخلوق على هيئة الإختيار فيه مشقة، فإذا ما جاء أمر الله بـ"افعل"فقد يكون الفعل فِي ذاته شاقا، فإن صبرت على مشقة الفعل الذي جاء بوساطة"افعل"فأنت صابر، لأنك صبرت على الطاعة .. وقد تصبر عن المعصية، عندما يلح عليك شيء فيه غضب الله فترفض أن ترتكب الذنب، فتكون قد صبرت عن ارتكاب الذنب.
إذن ففي"افعل"صبر على مشقتها، وفي"لا تفعل"صبر عنها، فالصابرون لهم اتجاهان اثنان، لأن التكليف إما أن يكون بافعل، وإما أن يكون بلا تفعل. فساعة يأتي التكليف بافعل فقد تأتي المشقة .. وعندما تنفذ التكليف بافعل فأنت قد صبرت على المشقة .. وعندما يأتي التكليف بـ"لا تفعل"كأمر الحق بعدم شرب الخمر، أو"لا تسرق"فأنت قد صبرت عنها .. إذن فـ"افعل"ولا"تفعل"قد استوعبت نَوْعَيْ التكليف، وبقيت بعد ذلك أحداث لا تدخل فِي نطاق افعل ولا تفعل، وهي ما ينزل عليك نزولا قدريا بدون اختيار منك بل هي القهرية والقسرية.