فصل نفيس
قال العلامة ابن عاشور:
اعلم أن قوله {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} كلمة جامعة لمعاني كنه الإسلام وأصوله ألقيت إلى الناس ليتدبروا مطاويها فيهتدي الضالون، ويزداد المسلمون يقينا بدينهم؛ إذ قد علمنا أن مجيء قوله {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} عقب قوله {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} وقوله {فَإِنْ حَاجُّوكَ} وتعقيبه بقوله {أَأَسْلَمْتُمْ} أن المقصود منه بيان جامع معاني الإسلام حتى تسهل المجادلة، وتختصر المقاولة، ويسهل عرض المتشككين أنفسهم على هذه الحقيقة، ليعلموا ما هم عليه من الديانة. بينت هذه الكلمة أن هذا الدين يترجم عن حقيقة اسمه؛ فإن اسمه الإسلام، وهو مفيد معنى معروفا فِي لغتهم يرجع إلى الإلقاء والتسليم، وقد حذف مفعوله ونزل الفعل منزلة اللازم فعلم أن المفعول حذف لدلالة معنى الفاعل عليه، فكأنه يقول: أسلمتني أي أسلمت نفسي، فبين هنا هذا المفعول المحذوف من اسم الإسلام لئلا يقع فيه التباس أو تأويل لما لا يطابق المراد، فعبر عنه بقوله وجهي أي نفسي: لظهور ألا يحسن محمل الوجه هنا على الجزء المعروف من الجسد، ولا يفيد حمله عليه ما هو المقصود، بل المعنى البين هو أن يراد بالوجه كامل الذات، كقوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] .
وإسلام النفس لله معناه إسلامها لأجله وصيرورتها ملكا له، بحيث يكون جميع أعمال النفس فِي مرضاة الله، وتحت هذا معان جمة هي جماع الإسلام: نحصرها فِي عشرة:
المعنى الأول: تمام العبودية لله تعالى، وذلك بألا يعبد غير الله، وهذا إبطال للشرك لأن المشرك بالله غير الله لم يسلم نفسه بل أسلم بعضها.
المعنى الثاني: إخلاص العمل لله تعالى فلا يلحظ فِي عمله غير الله تعالى، فلا يرائي ولا يصانع فيما لا يرضي الله ولا يقدم مرضاة غير الله تعالى على مرضاة الله.