[من روائع الأبحاث]
فوائد ولطائف أخرى لابن القيم:
وأما تقديمه المال على الولد في كثير من الآي فلأن الولد بعد وجود المال نعمة ومسرة، وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة فهذا من باب تقديم السبب على المسبب، لأن المال سبب تمام النعمة بالولد.
وأما قوله: {حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِين} فتقديم النساء على البنين بالسبب وتقدم الأموال على البنين بالرتبة.
(فائدة في تقديم البنين على الأموال)
وأما آية آل عمران فإنها لما كانت في سياق الإخبار بما زين للناس من الشهوات التي آثروها على ما عند الله واستغنوا بها قدم ما تعلق الشهوة به أقوى والنفس إليه أشد سعرا وهو النساء التي فتنتهن أعظم فتن الدنيا وهي القيود التي حالت بين العباد وبين سيرهم إلى الله ثم ذكر البنين المتولدين منهم فالإنسان يشتهي المرأة للذة والولد وكلاهما مقصود له لذاته ثم ذكر شهوة الأموال لأنها تقصد لغيرها فشهوتها شهوة الوسائل، وقدم أشرف أنواعها وهو الذهب ثم الفضة بعده ثم ذكر الشهوة المتعلقة بالحيوان الذي لا يعاشر عشرة النساء والأولاد فالشهوة المتعلقة به دون الشهوة المتعلقة بها وقدم أشرف هذا النوع وهو الخيل فإنها حصون القوم ومعاقلهم وعزهم وشرفهم فقدمها على الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم، ثم ذكر الأنعام وقدمها على الحرث لأن الجمال بها والانتفاع أظهر وأكثر من الحرث كما في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} والانتفاع بها أكثر من الحرب فإنه ينتفع بها ركوبا وأكلا وشربا ولباسا وأمتعة وأسلحة ودواء وقنية إلى غير ذلك من وجوه الانتفاع، وأيضا فصاحبها أعز من صاحب الحرث وأشرف وهذا هو الواقع فإن صاحب الحرث لا بد له من نوع مذلة ولهذا قال بعض السلف وقد رأى سكة ما دخل هذا دار قوم إلا دخلهم الذل فجعل الحرث في آخر المراتب وضعا له في موضعه.