[من روائع الأبحاث]
فصل نفيس
قال الفخر:
اعلم أن من الملحدة من طعن فِي القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات، وقال: إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه، فالجبري يتمسك بآيات الجبر، كقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} [الأنعام: 25] والقدري يقول: بل هذا مذهب الكفار، بدليل أنه تعالى حكى ذلك عن الكفار فِي معرض الذم لهم فِي قوله {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ} [فصلت: 5] وفي موضع آخر {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة: 88] وأيضاً مثبت الرؤية يتمسك بقوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] والنافي يتمسك بقوله {لاَ تُدْرِكُهُ الأبصار} [الأنعام: 103] ومثبت الجهة يتمسك بقوله {يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] وبقوله {الرحمن عَلَى العرش استوى} [طه: 5] والنافي يتمسك بقوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} [الشورى: 11] ثم إن كل واحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه: محكمة، والآيات المخالفة لمذهبه: متشابهة وربما آل الأمر فِي ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية، ووجوه ضعيفة، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه فِي كل الدين إلى قيام الساعة هكذا، أليس أنه لو جعله ظاهراً جلياً نقياً عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض.
واعلم أن العلماء ذكروا فِي فوائد المتشابهات وجوهاً:
الوجه الأول: أنه متى كانت المتشابهات موجودة، كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب، قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين} [آل عمران: 142] .