فالجواب عنه: أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى"أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم."
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140)
«فإن قلت» : كيف قيل"قرح مثله"وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟
قلت: بلى كان مثله. ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله - تعالى - {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} ويبدو لنا أن الظاهر هو الرأي الأول، وهو أن الكلام عن غزوتى بدر وأحد، لأن الله - تعالى - قد ساق هذه الآية الكريمة لتسلية المؤمنين بأن ما أصابهم في أحد من المشركين قد أصيب المشركون بمثله على أيدى المؤمنين في غزوة بدر، فلماذا يحزنون أو يضعفون؟
ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك {وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس} ، ويؤيد هذا المعنى - كما سنبينه لعد قليل - .
وجواب الشرط في قوله {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} ... إلخ. والتقدير إن يمسسكم قرح فاصبروا عليه واعقدوا عزمكم على قتال أعدائكم، فقد مسهم قرح مثله قبل ذلك.
وعبر عما أصاب المسلمين في أحد بصيغة المضارع {يَمْسَسْكُمْ} لقربه من زمن الحال، وعما أصاب المشركون بصيغة الماضى لبعده؛ لأن ما أصابهم كان في غزوة بدر.
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(144)
قال صاحب الكشاف: قوله {أَفإِنْ مَّاتَ} الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبب. والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم لا للانقلاب عنه.