(الم) هذا الاسم القرآني الذي سَمى به القرآن هذه السورة، وهذه حروف تقرأ في القرآن الكريم بأسمائها، وهي ألف لام ميم. والمعنى الذي تدل عليه هذه الحروف غير معلوم على وجه اليقين كما أسلفنا في سورة البقرة والله أعلم بمراده منها، ولا يستطيع عالم يعتمد على الحقائق العلمية أن يقرر المراد من هذه الحروف، والمعنى المحرر لها، وأقصى ما ذكره العلماء لها حِكَم يدل عليها ذكرها، ومن أحسن ذلك أن يقال: إن هذه الحروف تشير إلى أن القرآن الكريم من جنس ما يتكلم به العرب، وأنه مكون من الحروف التي يتكون منها كلامكم، ومع ذلك تعجزون عن أن تأتوا بمثل سورة منه؛ فهي إشارة إلى العجز مع الطمع في أن يحاولوا، ولن يأتوا بسورة من مثله. ومن أحسن ما يقال أيضا أن النبي الأمي كان ينطق بهذه الحروف التي كان لَا يعرفها إلا من يقرأ ويكتب، فاشتمال القرآن عليها مع أميته - عليه السلام - دليل على أنه من عند الله.
ومن ذلك أيضا ما قيل من أن هذه الحروف الصوتية التي اشتملت عليها بعض أوائل السور إذا نطق بها الناطق مع ما فيها من مد طويل أو قصير، استرعى ذلك الأسماع فاتجهت إليه، وإن لم يُرد السامعون. ويروى في ذلك أن المشركين من فرط تأثير القرآن قد تفاهموا على ألا يسمعوا لهذا القرآن: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَروا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) . فكانوا إذا قرعت آذانهم هذه الحروف بمدها، التفتوا مرغمين، ثم هجمت على قلوبهم من بعد ذلك الآيات البينة المحكمة، تعالت كلماته سبحانه:
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم) : هذه الجملة السامية تبين أصل التوحيد، وتقرر معناه، فابتدئت بلفظ الجلالة الذي يدل على كمال الألوهية، وانفراده - سبحانه - بحق العبودية، إذ إنه الإله وحده الذي أنشأ الخلق ورباه ونماه، ولا مالك لهذا الوجود ومن فيه وما فيه سواه. ولفظ"الله"علم على الذات العلية المتصفة بكل كمال والمنزهة عن كل نقص، والتي لَا تشابه الحوادث، ولا يشبهها شيء من الحوادث: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) .