[من روائع الأبحاث]
ومن فوائد ولطائف ابن القيم:
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18]
"الْقِسْطِ": هُوَ الْعَدْلُ، فَشَهِدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَّهُ قَائِمٌ بِالْعَدْلِ فِي تَوْحِيدِهِ، وَبِالْوَحْدَانِيَّةِ فِي عَدْلِهِ، وَالتَّوْحِيدُ وَالْعَدْلُ هُمَا جِمَاعُ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَإِنَّ التَّوْحِيدَ يَتَضَمَّنُ تَفَرُّدَهُ سُبْحَانَهُ بِالْكَمَالِ وَالْجَلَالِ وَالْمَجْدِ وَالتَّعْظِيمِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ سِوَاهُ، وَالْعَدْلُ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ أَفْعَالِهِ كُلِّهَا عَلَى السَّدَادِ وَالصَّوَابِ وَمُوَافَقَةِ الْحِكْمَةِ.
فَهَذَا تَوْحِيدُ الرُّسُلِ وَعَدْلُهُمْ: إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ، وَالْأَمْرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَهُ، وَإِثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالْحِكَمِ، وَالْغَايَاتِ الْمَطْلُوبَةِ الْمَحْمُودَةِ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، لَا تَوْحِيدَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، الَّذِي هُوَ إِنْكَارُ الصِّفَاتِ وَحَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَعَدْلُهُمْ، الَّذِي هُوَ: التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ، أَوْ نَفْيُ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ وَالْعَوَاقِبِ الْحَمِيدَةِ الَّتِي يَفْعَلُ اللَّهُ لِأَجْلِهَا وَيَأْمُرُ، وَقِيَامُهُ سُبْحَانَهُ بِالْقِسْطِ فِي شَهَادَتِهِ يَتَضَمَّنُ أُمُورًا.
أَحَدَهَا: أَنَّهُ قَائِمٌ بِالْقِسْطِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ أَعْدَلُ شَهَادَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنْكَارُهَا وَجُحُودُهَا أَعْظَمُ الظُّلْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَا أَعْدَلَ مِنَ التَّوْحِيدِ وَلَا أَظْلَمَ مِنَ الشِّرْكِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَائِمٌ بِالْعَدْلِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ قَوْلًا وَفِعْلًا، حَيْثُ شَهِدَ بِهَا، وَأَخْبَرَ وَأَعْلَمَ عِبَادَهُ، وَبَيَّنَ لَهُمْ تَحْقِيقَهَا وَصِحَّتَهَا، وَأَلْزَمَهُمْ بِمُقْتَضَاهَا، وَحَكَمَ بِهِ، وَجَعَلَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَيْهَا، وَجَعَلَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مِنْ حُقُوقِهَا وَوَاجِبَاتِهَا، فَالدِّينُ كُلُّهُ مِنْ حُقُوقِهَا، وَالثَّوَابُ كُلُّهُ عَلَيْهَا، وَالْعِقَابُ كُلُّهُ عَلَى تَرْكِهَا.