أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوّة لا يوجد مع غير الأنبياء، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على العلم لا جرم لا يوجد فِي حق غير العالم.
والجواب من وجوه
الأول: وهو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي، فإن ادعى صاحبه النبوّة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبياً، وإن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه ولياً والثاني: قال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهارها، والأولياء مأمورون بإخفائها والثالث: وهو أن النبي يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به والرابع: أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة، فهذا جملة الكلام فِي هذا الباب وبالله التوفيق. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 27 - 28}
[فائدة]
قال أبو حيان:
{قال يا مريم أنَّى لك هذا قالت هو من عند الله} استغرب زكريا وجود الرزق عندها وهو لم يكن أتى به، وتكرر وجوده عندها كلما دخل عليها، فسأل على سبيل التعجب من وصول الرزق إليها، وكيف أتى هذا الرزق؟ و: أنَّى، سؤال عن الكيفية وعن المكان وعن الزمان، والأظهر أنه سؤال عن الجهة، فكأنه قال: من أي جهة لك هذا الرزق؟ ولذلك قال أبو عبيدة: معناه من أين؟ ولا يبعد أن يكون سؤالاً عن الكيفية، أي كيف تهيأ وصول هذا الرزق إليك؟ وقال الكميت:
أنَّى ومن أين أتاك الطرب ... من حيث لا صبوة ولا طرب
وجوابها سؤاله بأنه {من عند الله} ظاهره أنه لم: يأت به آدمي ألبتة، بل هو رزق يتعهدني به الله تعالى.