قال نظام الدين النيسابوري:
التأويل: إن لله تعالى فِي كل ذرة من ذرات الموجودات وحركة من حركاتها أسراراً لا يعلمها إلا الله.
فانظر ماذا أخرج الله من الأسرار عن إطعام طائر فرخه، وماذا أظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى {فتقبل مني} راجع إلى المحرر لا إلى التحرير أي تقبلها مني أن تتكفلها وتربيها تربية المحررين {فتقبلها ربها} أي تقبلها ربها أن يربيها {بقبول حسن} كقبول ذكر أو قبولاً أخرج منها مثل عيسى {وكفلها زكريا} من كمال رأفته أنه جعل كفالتها إلى زكريا حيث أراد أن يخرج عيسى منها بلا أب لئلا يدخل عليها غيره فتكون أبعد من التهمة. {وجد عندها رزقاً} أي من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق كقوله صلى الله عليه وسلم: «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} ما لم يكن فِي حسابها من الولد بلا أب، ومن الفاكهة بلا شجرة، ومن المعجزات بلا نبوة، ومن العلوم اللدنية بلا واسطة {هنالك دعا زكريا ربه} كما أنه تعالى جعل إطعام الطائر فرخه سبب تحريك قلب حنة لطلب الولد، فكذلك جعل حالة مريم وما كان يأتيها من الرزق خارقاً للعادة سبب تحريك قلب زكريا {قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة} أي ولداً يكون روحه من الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة، وهو المطهر من لوث الحجاب والوسط الصالح للنبوة والولاية بخلاف الصف الثاني الذي هو لأرواح الأولياء وبينه وبين الله تعالى حجاب الصف الأول، وبخلاف الصف الثالث الذي هو لأرواح المؤمنين، وبخلاف الصف الرابع الذي هو لأرواح المنافقين والمشركين {فنادته الملائكة وهو قائم} بالله {يصلي} بسائر سره فِي الملكوت يحارب نفسه وهواه {فِي المحراب إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى} لأنه منذ خلق ما ابتلى بالموت لا بموت القلب بالمعاصي ولا بموت الصورة لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون. {مصدقاً بكلمة من الله} وهي قوله: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} [مريم: 12]