33 -قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} معنى (اصطفى) في اللغة: اختار. وتأويله: جعلهم صفوة خَلْقِه.
قال أهل المعاني: هذا تمثيل المعلومِ بالمرئيِّ، والعرب تفعل ذلك، فإذا سمع السامع ذلك المعلوم، كان عنده بمنزلة ما يشاهده عَياناً؛ وذلك أن الصافي هو: النَّقيُّ من شائب الكَدَر فيما يُشاهَد. فمُثِّلَ به خُلُوص هؤلاء القوم من الدنس؛ لأنهم خلصوا كخلوص الصافي من شائب الأدناس. وقيل في معنى (اصطفائه إيَّاهم) ، قولان:
أحدهما: اصطفى دينهم على سائر الأديان؛ لأن دين الجماعة الإسلامُ، وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] ، وهذا اختيار الفرَّاء، قال: وهو من باب حذف المضاف، كقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] .
القول الثاني: أنه اصطفاهم بالنبوَّة والرسالة، على عالمي زمانهم. وأراد بـ {آلَ إِبْرَاهِيمَ} إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط.
وبـ {وَآلَ عِمْرَانَ} : موسى وهارون. قالوا: وإنما خصَّ هؤلاء بالذكر؛ لأنَّ الأنبياء بأسرهم من نسلهم.
وقوله تعالى: {عَلَى الْعَالَمِينَ} . قال صاحب"النَّظْمِ": ظاهر هذا اللفظ على العموم، وتأويله على الخصوص؛ لأنه يتضمَّنُ أخباراً منفصلاً بعضها من بعض، وأُجْمِلَت في الإخبار عنها؛ لأنه عز وجل إنْ كان عنى بالاصطفاء: أولادَ آدم، فمن سواه من العالمين الذين فُضِّل عليهم قد خرجوا من أن يكون لهم على العالمين فضل؛ لأن آدم من جملة العالمين، وكذلك نوحٌ، وإبراهيم، وآل عمران، إذا دخل أحد هؤلاء في التفضيل خرج الآخرون منه؛ لأن كلاً من (العالَمين) .
فتأويل ذلك: أنَّ الله اصطفى كلاً منهم على عالَم لا يدخله من قد فُضِّل منهم على عالَم آخر، كما جاء في التفسير: على عالَمي زمانهم.