عرَّف الجمهور الكرامة بأنها الأمر الخارق للعادة يظهر على يد العبد الصالح،
وهو مَن يقوم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد، والأمر الخارق للعادة إما أن يكون
خرقه لها بمجيئه على خلاف سنن الكون المعروفة ونقيض ما تقتضيه، أو بكونه لم
تعرف له سنة طبيعية يندرج فيها، وإن كان في الواقع ونفس الأمر مندرجًا تحت
ناموس طبيعي غير معروف عند كافة الناس، مثال الأول العلم والتهذيب اللذين كان
عليهما نبينا عليه الصلاة والسلام مع كونه لم يتعلم ولم يتربَّ، وكانت نشأته في قوم
هم أبعد الناس عن العلوم التي جاء بها، كعلم التوحيد وعلم الشرائع وعلم الاجتماع
والسياسة المدنية والحربية، ومنه إحياء الموتى لسيدنا عيسى وعصا سيدنا موسى
عليهما الصلاة والسلام، ومثال الثاني المكاشفات ومعرفة بعض الأمور قبل وقوعها؛
فإن للنفوس البشرية والأرواح الإنسانية استعدادًا لهذا الأمر، ولله تعالى فيه سنة
روحية مخصوصة كسائر السنن الكونية، ولكن هذه السُّنَّة لم تزل من الأمور
الغامضة التي لم يهتد إليها أكثر الناس، وإن كثيرًا ممن كان لهم نصيب من الكشف
ومعرفة بعض ما يجيء به الغد لم يعرفوا حقيقة السبب في كشفهم، وأنه هو ما
اشتغلوا به زمنًا من تصفية الباطن وتقوية سلطان الروح بحيث يقدر صاحبه على
صرفه من عالم الحس وشواغل الجسد المتشعبة الكثيرة وتوجيهه إلى أمر واحد،
وإن من خواص الروح أن ينطبع في مرآته ما يتوجه إليه هذا النوع من التوجه.
وقد عرف هذه السنة الإلهية بعض الناس، ولكن طريقها لم يزل مشتبه
الأعلام، قاتم الأعماق، لا يستطيع قطعه كل سالك، وربما يجيء يوم ينجلي فيه
قتامه، وتظهر فيه أعلامه، فيذهب الالتباس، ويسهل سلوكه على أكثر الناس، وقد
بينَّا كون ما جاء به نبينا من العلم خارقًا للعادة في كتابنا (الحكمة الشرعية) عند
الكلام على معجزة القرآن العظيم، فنورده هنا إتمامًا للفائدة، وهو:
القرآن هو أعظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وإعجازه ليس مقصورًا
على أسلوبه البديع، وارتقائه أسمى درج البلاغة، وعلى إخباره بالمغيبات المستقبلة،