29 -قوله تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ} . أي: مِن مودة الكفار، وموالاتهم. هذا قول أكثر المفسرين.
وقال الكلبي: يعني: تكذيب محمد - صلى الله عليه وسلم -، يقول: إن أخفيتموه أو أظهرتم تكذيبه، بحربه وقتاله، يعلمه الله.
وقال عطاء: يريد: الضمير، وهذا يعم كل ما في قلب الإنسان.
قال أهل المعاني: لَمّا نَهَى اللهُ في الآية الأولى عن موالاة الكفار، خوَّفَ وحذَّر في هذه الآية عن إبطان موالاتهم؛ بأنه يعلم الإسرار، كما يعلم الإعلان.
[فإن قيل: لِمَ جاء] {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} بالجَزْم؛ على جواب الشرط، ولا يَفْتَقِرُ في علمه إلى وجود شرطٍ متقدمٍ؛ كقول القائل: (إنْ تأتِني؛ أُكْرِمْكَ!) ، فالإتيان سببٌ للإكرام، ولا يجوز أنْ يكون الإخفاء ولا الإبداء سبباً لعلمه. فالقول في ذلك إنَّ المعنى: يعلمه كائنًا، [ولا يعلمُهُ اللهُ تعالى كائناً، إلا بعد كَوْنِهِ، وقبل الكَوْنِ لا يُوصَفُ بأنه: يعلَمُه كائنا] ، والتأويل: إنْ تبدوا ما في صدوركم، يعْلَمْهُ مبدىً، أو تُخْفوه يَعْلَمْهُ مُخْفىً.
وقوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} . رفع؛ على الاستئناف؛ كقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 14] ، جزم الأفاعيل، ثم قال: {وَيَتُوُبُ اَللَّهُ} [التوبة: 15] ، فرفع. ومثله، قوله: {فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} [الشورى: 24] ، ورفعاً.
وفي قوله: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ، إتمامٌ؛ للتحذير؛ لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء ٌ منهما، فكيف يخفى عليه الضميرُ؟.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . تحذيرٌ مِنْ عِقَابِ مَن لا يعْجِزَهُ شيءٌ.