قال الآلوسي:
ومن باب الإشارة فِي الآيات: {الم} [آل عمران: 1] تقدم الكلام عليه، وذكر بعض ساداتنا فيه أنه أشير به إلى كل الوجود من حيث هو كل لأن (أ) إشارة إلى الذات الذي هو أول الوجود وهو مرتبة الإطلاق، و (ل) إلى العقل المسمى بجبريل الذي هو وسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ ويفيض إلى المنتهى، و (م) إلى محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو آخر الوجود، وبه تتم دائرته ولهذا كان الختم، وقال بعضهم: إن (ل) ركبت من ألفين أي وضعت بإذاء الذات مع صفة العلم اللذين هما عالمان من العوالم الثلاثة الإلهية التي أشرنا إليها فهو اسم من أسمائه تعالى، وأما (م) فهي إشارة إلى الذات مع جميع الصفات والأفعال التي احتجبت بها فِي صورة المحمدية التي هي اسم الله تعالى الأعظم بحيث لا يعرفها إلا من يعرفها ألا ترى أن (أ) التي هي لصورة الذات كيف احتجبت فيها فإن الميم فيها الياء وفي الياء ألف ولتضمن {الم} الإشارة إلى مراتب الوجود والحقيقة المحمدية ناسب أن تفتتح بها هذه الآيات المتضمنة للرد على النصارى الذين أخطأوا فِي التوحيد ولم يعرفوه على وجهه، ولهذا أردفه سبحانه بقوله: {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ} إذ لا موجود فِي سائر العوالم حقيقة إلا هو إذ لا أحد أغير من الله تعالى جل جلاله {الحي} أي المتصف بالحياة الكاملة على وجه يليق بذاته {القيوم} [آل عمران: 2] بتدبير الأعيان الثابتة بظهوره فيها حسب استعدادها الأزلي الغير المجعول {نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب} وهو العلم المفيد لمقام الجمع وهو التوحيد الذي تفنى فيه الكثرة ولا يشاهد فيه التعدد متلبساً {بالحق} وهو الثابت الذي لا يعتريه تغير فِي ذاته {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من التوحيد الأول الأزلي السابق المعلوم فِي العهد الأول المخزون فِي غيب الاستعداد {وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل} [آل عمران: 3] {مِن قَبْلُ هُدًى لّلنَّاسِ} إلى معالم التوحيد