قوله جلّ قوله: (الم) قد تقدمت الإشارة إلى معنى ما جاءت
به الحروف في أوائل السور من أجله - والله أعلم - آيات على حروف أم الكتاب
ودلالات عليها، وقد تقدمت الشواهد على ذلك من القول العزيز مقرونة بها.
قوله: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2) . الألف واللام في أوائل
هذه الأسماء لا محالة للتعريف والعهد، عرَّف عباده - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه
بأنه الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فكأنه قال:"الم هو الله ..."وجاء من هذا أن
"الم"فسر بها هذه الجملة كما قال - جلَّ جلالُه - وتعالى قوله:(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى). والحياة العلية معبر معناها عن وجود الأسماء كلها، وعن الكمال
الأرفع والوجود الأعلى، كما أن القيومية معبر معناها عن القيام خلقًا وأمرًا وشهادة
وغيبًا.
وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"اسم الله الأعظم: الحي القيوم". وفي
أخرى:"اسم اللَّه الأعظم بين هاتين الآيتين".
قوله جلَّ قوله: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ(163) .
وقوله: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وهي جملة محكمة
فصَّلت مجمل محكم قوله - جلَّ جلالُه: (الم) كما تقدم، والله أعلم.
ثُمَّ نسق عليها بعد قوله جلَّ قوله: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ...(3)
إلى ما يأتي بعد هذا، فاعرفه - وفقنا الله وَإياك - كما تعرَّف إليك، فقد فتح لك باب معرفته في تعريفه بنفسه، فالاسم الأول جمع معاني ما سواه من الأسماء؛ إذ جميعها شارحة له منبهة عليه.
ثم الاسمان بعده جمعها معاني الأسماء كلها الذاتية والفعلية؛ إذ لا يوصف
بحقيقتها سواه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه، ولا يعرف كمالها إلا به سبحانه، ثم اسمه
المعبر عن الوحدانية في عزة الربوبية وعظمة الألوهية هو الذي بحقيتته قام كل
شيء، وتماسك كل كائن علوًّا وسفلاً دنيا وآخرة، وبالإخلاص والتصديق والشهادة